الصفحة 13 من 43

فأبحه سرك قد أمنت لسانه ... أو أن يغيبك عنده مغتاب

وإذا هفوت أمنت غرب لسانه ... إن العتاب من النديم عذاب

بل إن بعضهم كان يستعين به على الغربة ووحشتها ويوصي به المسافر فودع أحدهم صديقا له فقال له: (استعن على وحشة الغربة بقراءة الكتب، فإنها ألسن ناطقة، وعيون رامقة) .

وهو النديم حين يتفرق الندماء، وبه تأنس الوحدة، وتطيب المجالس، قيل لبعضهم أما تستوحش، فقال أيستوحش من معه الأنس كله، قيل وما الأنس كله؟ قال الكتاب.

استشعر ذلك ابن المبارك فكان يطيب له كثيرا مجالسة الكتب والخلوة معها فلامه أصحاب على عدم رؤيتهم له فقال لهم: (إني إذا كنت في المنزل جالست أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -) يعني النظر في الكتب.

وطبيعي أن يكون هذا الحب والشغف للكتب مع إدراك قيمتها وفائدتها دافعا لهم لشرائها واقتنائها لا لوضعها لزينة وديكور (تزين به الغرف كما يفعل الناس الآن) إنما للمطالعة والبحث والاستفادة، ولهم حوادث طريفة كل الطرافة في حسرتهم على فقد الكتب وبيعها أو في سعادتهم بشراء الكتب، فحدث أن باع أحدهم كتابا ظن أنه لا يحتاج إليه ثم إنه احتاج إليه فالتمس نسخة منه، فلم يجدها بعارية ولا ثمن، وكان الذي ابتاعه قد خرج به إلى بلده فشخص إليه، وسأله الإقالة وارتجاع الثمن منه، فأبى عليه، فسأله إعارته لنسخ الكلمة منه، فلم يجبه، فانكفأ قافلا وآلى على نفسه ألا يبيع كتابا أبدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت