فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 15

ونأخذ مثالًا لهذا التقرير العام هذا الحكم الفقهي الإسلامي بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب، وهو المأخوذ من قوله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم) ومن قول رسول الله"- صلى الله عليه وسلم - إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله".

لقد نشأ هذا الحكم - كما نزلت تلك النصوص - في مجتمع مسلم، ليطبق في هذا المجتمع، وليعيش في هذا الوسط، وليلبي حاجة ذلك المجتمع وفق نشأته التاريخية، ووفق تركيبه العضوي، ووفق واقعه الذاتي.

فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي، وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي! وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي، إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة، وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقومات كلها يعتبر"فراغا"بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يصلحه كذلك!

ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي، وإن كنا في هذا المقام لا نفصل إلا هذا الحكم بمناسبة ذلك السياق القرآني.

ولقد يخيل للناس الآن أن هذه خاصية متفردة للمجتمع المسلم الأول بسبب نشأته التاريخية! ولكنهم ينسون أن أي مجتمع مسلم لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة، لن يوجد اليوم أو غدًا، إلا أن تقوم دعوة لإدخال الناس في هذا الدين من جديد، وإخراجهم من الجاهلية التي صاروا إليها، وهذه نقطة البدء، ثم تعقبها الفتنة والابتلاء - كما حدث أول مرة - فأما ناس فيفتنون ويرتدون! وأما ناس فيصدقون ما عاهدوا الله عليه فيقضون نحبهم ويموتون شهداء، وأما ناس فيصبرون و يصابرون ويصرون على الإسلام، ويكرهون أن يعودوا إلى الجاهلية كما يكره أحدهم أن يلقى في النار، حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكن لهم في الأرض - كما مكن للمسلمين أول مرة - فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي، ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية، ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم!

وقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى، فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين! إن هذا الدين يتحرك دائما ولا يكف عن الحركة، يتحرك لتحرير"الإنسان"كل الإنسان في"الأرض"كل الأرض من العبودية لغير الله، وليرفعه عن العبودية للطواغيت، بلا حدود من الأرض أو الجنس أو القوم أو أي مقوم من المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت