وإذن فستظل الحركة - التي هي طبيعة هذا الدين الأصيلة - تميز أصحاب البلاء وأصحاب الكفايات والمواهب، ولا تقف أبدا ليركد هذا المجتمع ويأسن - إلا أن ينحرف عن الإسلام - وسيظل الحكم الفقهي - الخاص بتحريم تزكية النفس وطلب العمل على أساس هذه التزكية - قائما وعاملا في محيطه الملائم، ذات المحيط الذي نشأ أول مرة وعمل فيه.
إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته - أو يكتبون - يدخلون في متاهة! ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ! يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم، بتركيبه العضوي الحاضر! وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر - بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية - فراغًا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام، إن تركيبه العضوي مناقض تمامًا للتركيب العضوي للمجتمع المسلم، فالمجتمع المسلم - كما قلنا - يقوم تركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع، ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام، مع تحمل ضغوط الجاهلية وما تواجهه من فتنة وإيذاء وحرب على هذه الحركة، والصبر على الابتلاء وحسن البلاء من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف، أما المجتمع الجاهلي الحاضر فهو مجتمع راكد، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية، وهو - من ثم - يعد بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغًا لا يعيش فيه هذا النظام ولا تقوم فيه هذه الأحكام!
أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة، إنها هي افتراض أن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه مجتمع مسلم، وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية سيجيء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر، وبقيمه وأخلاقه الحاضرة!
هذه نقطة البدء في المتاهة، ومتى بدأ منها الباحث فإنه يبدأ في فراغ، ويوغل في هذا الفراغ، حتى يبعد في التيه، وحتى يأخذه الدوار!
إن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام، لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ، لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك!
إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي، نشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت - في وجه الجاهلية - لإنشائه، وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك الحركة.