فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 15

إنه مجتمع جديد، ومجتمع وليد، ومجتمع متحرك دائما في طريقه لتحرير"الإنسان"كل الإنسان في"الأرض"كل الأرض من العبودية لغير الله، ولرفع هذا الإنسان عن ذلة العبودية للطواغيت أيا كانت هذه الطواغيت!

إن الفقه الإسلامي بكل أحكامه ليس هو الذي أنشأ المجتمع المسلم، إنما المجتمع المسلم بحركته - في مواجهة الجاهلية ابتداءً - ثم بحركته في مواجهة حاجة الحياة الحقيقية ثانيًا، هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي مستمدًا من أصول الشريعة الكلية، والعكس لا يمكن أن يكون أصلًا!

إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا يعيش في فراغ كذلك، لا ينشأ في الأدمغة والأوراق، إنما ينشأ في واقع الحياة، وليست أية حياة، إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد، ومن ثم لا بد أن يوجد المجتمع المسلم أولًا بتركيبه العضوي الطبيعي، فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق، وعندئذ تختلف الأمور جدًا!

إن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل، الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه! ولكن الأمر غير ذلك تماما، إن دين الله هو الأصل الذي يجب على البشرية أن تطابق نفسها عليه، وأن تحور من واقعها الجاهلي وتغير حتى تتم هذه المطابقة، ولكن هذا التحور وهذا التغير لا يتمان عادة إلا عن طريق واحد، هو التحرك - في وجه الجاهلية - لتحقيق ألوهية الله في الأرض وربوبيته وحده للعباد، وتحرير الناس من العبودية للطاغوت، بتحكيم شريعة الله وحدها في حياتهم، وهذه الحركة لا بد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء، فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد، ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه، وتميزوا بقيمه، وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها، وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام، وينشأ فقه إسلامي حي متحرك - لا في فراغ - ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات.

ومن ذا الذي يدرينا اليوم مثلًا أن يكون الناس في مجتمع مسلم تجبى فيه الزكاة وتنفق في مصارفها، ويقوم فيه التراحم والتكافل بين أهل كل محلة، ثم بين كل أفراد الأمة، وتقوم حياة الناس فيه على غير السرف والترف والمخيلة والتكاثر، إلى آخر مقومات الحياة الإسلامية، من يدرينا أن مجتمعا كهذا سيكون في حاجة إلى شركات تأمين أصلا؟! وعنده كل تلك التأمينات والضمانات مع تلك الملابسات والقيم والتصورات؟! وإذا احتاج إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت