فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 90

بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض الَّتِي يَسْتَقِرّ فِيهَا الْمَاء فَيَنْتَفِع النَّاس بِهِ, وَهُوَ المُشَار إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «نَضَّرَ الله اِمْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» [1] . وَمِنْهُمْ مَن يَسْمَع الْعِلْم فَلَا يَحْفَظهُ وَلَا يَعْمَل بِهِ وَلَا يَنْقُلهُ لِغَيْرِهِ, فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض السَّبْخَة أَوْ الْمَلْسَاء الَّتِي لَا تَقْبَل الْمَاء أَوْ تُفْسِدهُ عَلَى غَيْرهَا. وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَثَل بَيْن الطَّائِفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْمَحْمُودَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِانْتِفَاع بِهِمَا, وَأَفْرَدَ الطَّائِفَة الثَّالِثَة الْمَذْمُومَة لِعَدَمِ النَّفْع بِهَا. وَالله أَعْلَم.

وَقَالَ الطِّيبِيّ: بَقِيَ مِن أَقْسَام النَّاس قِسْمَانِ: أَحَدهمَا الَّذِي اِنْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسه وَلَمْ يُعَلِّمهُ غَيْره, وَالثَّانِي مَن لَمْ يَنْتَفِع بِهِ فِي نَفْسه وَعَلَّمَهُ غَيْره. قُلْت: وَالْأَوَّل دَاخِل فِي الْأَوَّل لِأَنَّ النَّفْع حَصَلَ فِي الْجُمْلَة وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبه, وَكَذَلِكَ مَا تُنْبِتهُ الْأَرْض, فَمِنْهُ مَا يَنْتَفِع النَّاس بِهِ وَمِنْهُ مَا يَصِير هَشِيمًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ عَمِلَ الْفَرَائِض وَأَهْمَلَ النَّوَافِل فَقَدْ دَخَلَ فِي الثَّانِي كَمَا قَرَّرْنَاهُ, وَإِنْ تَرَكَ الْفَرَائِض أَيْضًا فَهُوَ فَاسِق لَا يَجُوز الْأَخْذ عَنْهُ, وَلَعَلَّهُ يَدْخُل فِي عُمُوم: «مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَاسًا» وَالله أَعْلَم [2] .

فلا بد للاهتداء من محل قابل، فإذا لم تكن في المحل صلاحية لا يستفيد الإنسان من آيات الكتاب والسنة, ولذا قيد الله تعالى في القرآن لهدايته بقيود وقد أشار إلى بعضها الشيخ السعدي رحمه الله فيقول: «وقيد هدايته في بعض الآيات بعدة قيود: قيد هدايته بأنه هدى للمؤمنين, المتقين, لقوم يعقلون, ويتفكرون, ولمن قصده الحق، وهذا بيان منه تعالى لشرط هدايته، وهو أن المحل لا بد أن يكون قابلًا وعاملًا، فلا بد لهدايته من عقل وتفكير وتدبر لآياته، فالمعرض الذي لا يتفكر ولا يتدبّر آياته لا ينتفع به, ومن ليس قصده الحق ولا غرض له في الرشاد, بل قصده فاسد، وقد وطّن نفسه على مقاومته ومعارضته، ليس له من هدايته نصيب, فالأول حرم هدايته لفقد الشرط, والثاني لوجود المانع, فأما من أقبل عليه وتفكر في معانيه وتدبرها بحسن فهم وحسن قصد، وسلم من الهوى, فإنه يهتدي به إلى كل مطلوب, وينال به كل غاية جليلة ومرغوب» [3] .

وهكذا سنّة النبي صلى الله عليه وسلم يستفيد منها من كان فيه خير, فقد بينه بأسلوب شيق وبكلام جذاب, فحري بالمعلم عامةً وبطالب العلم خاصةً أن يطلب العلم, ويتفقه فيه, ويعمل به,

(1) أخرجه أبوداود في العلم برقم (3660) ، باب فضل نشر العلم، والترمذي في العلم، برقم (2656، 2657، 2658) ، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وابن ماجه في المقدمة برقم (230، 231، 232، 236) ، باب من بلّغ علمًا، وفي المناسك، باب الخطبة يوم النحر برقم (3056) ، وأحمد عن ابن مسعود برقم (4146) ، وأنس بن مالك برقم (12937) ، وجبير بن مطعم برقم (14294، 14312) ، وزيد بن ثابت برقم (21080) .

(2) ينظر: فتح الباري لابن حجر، 1/ 177.

(3) كتاب: فوائد قرآنية للسعدي، ص:8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت