يورث طاعته وخشيته فيما أمر، كما يورث تقواه فيما نهى، وإنابة إليه بعد المعصية، تلك آثار الصلاة الطيبة يجدها المسلم في حياته الأولى قبل أن يلقى ربه، فيجزيه الجزاء الأوفى، وذلك هو الخسران من إضاعة الصلاة يلقاه الشقي في عاجلته قبل أن يقف موقف الحساب، فالله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يقبل صلواتنا ويجيب دعواتنا ويغفر زلاتنا، ويؤتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويقينا عذاب النار وصلى الله على محمد وسلم [1] .
فرض الله على الأمة خمس صلوات كل يوم وليلة، ومن النوافل والرواتب والوتر وغيرها ما هو تبع لها، لما في ذلك من الفوائد الضرورية والكمالية الدينية والدنيوية، قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [3] فهذه الآية تدخل فيها الصلوات الخمس، وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلوات الخمس وتفصيل أوقاتها وشروطها ومكملاتها، وفي فضلها وكثرة ثوابها، فمن فضائلها أنها أعظم عبادة يحصل فيها الخضوع والذل لله وامتلاء القلب من الإيمان به وتعظيمه، وذلك مادة سعادة القلب الأبدية ونعيمه ولا يمكن تغذيته بمثل الصلاة، والصلاة أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان، فالصلاة تثبت الإيمان وتنميه، وتنمي ما يثمره الإيمان من فعل الخير والرغبة فيه، وكذلك تنهى عن الشر، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [4] فأخبر أن فيها الغذاء بذكر الله والشفاء بنهيها عن الفحشاء والمنكر، وأي شيء أعظم من هذا وأجل وأكمل؟
ومن فضائلها أنها أكبر عون للعبد على مصالح دينه ودنياه، قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [5] أي على كل الأمور، أما عونها على المصالح الدينية فإن العبد إذا داوم على الصلاة وحافظ عليها قويت رغبته في فعل الخيرات وسهلت عليه الطاعات وبذل الإحسان بطمأنينة نفس واحتساب ورجاء للثواب، وتذهب أو تضعف داعيته للمعاصي، وهذا أمر محسوس مشاهد، فإنك لا تجد محافظًا على الصلاة فروضها ونوافلها إلا وجدت تأثير ذلك في بقية أعماله، ولهذا كانت الصلاة عنوانًا على الفلاح، قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} الآية [6] والمراد عمارتها بالصلاة والقربات، وقال - صلى الله عليه وسلم - «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} » [7] .
وأما عونها على المصالح الدنيوية فإنها تهون المشاق وتسلي عن
(1) مختصر من كتاب"الصلاة عماد الدين"للدكتور حسن الترابي.
(2) من كتاب الرياض الناضرة للشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي رحمه الله.
(3) سورة الإسراء آية 78.
(4) سورة العنكبوت آية 45.
(5) سورة البقرة آية 45 و 153.
(6) سورة التوبة آية 18.
(7) رواه الترمذي وقال حديث حسن.