الصفحة 21 من 55

وإذا كان المرسل من وجهين، كان من

الراويين أخذ العلم عن شيوخ الآخر، فهذا مما يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب، كان هذا مما يعلم أنه صدق، فإن المخبر إنما يؤتى من جهة تعمد الكذب، ومن جهة الخطأ؛ فإذا كانت القصة مما يعلم أنه لم يتواطأ فيه المخبران فالعادة تمنع تماثلهما في الكذب عمدًا، وخطأ، مثل أن تكون قصة طويلة فيها أقوال كثيرة، رواها هذا مثل ما رواها هذا، فهذا يعلم أنه صدق، وهذا مما يعلم به صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وموسى - صلى الله عليه وسلم - فإن كلا منهما أخبر عن الله وملائكته وخلقه للعالم، وقصة آدم، ويوسف وغيرهما من قصص الأنبياء - عليهم السلام - بمثل ما أخبر به الآخر، مع العلم بأن واحدًا منهما لم يستفد ذلك من الآخر، وأنه يمتنع في العادة تماثل الخبرين الباطلين في مثل ذلك، فإن من أخبر بأخبار كثيرة مفصلة دقيقة عن مُخْبَرٍ معين لو كان مبطلا في خبره، لاختلف خبره لامتناع أن مبطلا يختلف ذلك من غير تفاوت، لاسيما في أمور لا تهدى العقول إليها، بل ذلك يبين أن كلا منهما أخبر بعلم وصدق.

وهذا مما يعلم الناس من أحوالهم، فلو جاء رجل من بلد إلى آخر، وأخبر عن حوادث مفصلة حدثت فيه تنتظم أقوالا وأفعالا مختلفة، وجاء من علمنا أنه لم يواطئه على الكذب فحكى مثل ذلك، علم قطعًا أن الأمر كان كذلك.

فإن الكذب قد يقع في مثل ذلك، لكن على سبيل المواطأة وتلقي بعضهم عن بعض، كما يتوارث أهل الباطل المقالات الباطلة، مثل مقالة النصارى والجهمية والرافضة ونحوهم، فإنها وإن كان يُعلم بضرورة العقل أنها باطلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت