مثال ذلك: أن خواص أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أعلم به ممن هو دونهم في الاختصاص مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف، سعد وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وبلال وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري، وسلمان، وأبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وحذيفة، وأبي طلحة، وأمثال هؤلاء من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم أكثر اختصاصًا به ممن ليس مثلهم.
لكن قد يكون بعض الصحابة أحفظ وأفقه من غيره، وإن كان غيره أطول صحبة، وقد يكون أيضًا أخذ عن بعضهم العلم أكثر مما أخذ عن غيره لطول عمره، وإن كان غيره أعلم منه، كما أخذ عن أبي هريرة، وابن عمر وابن عباس وعائشة وجابر وأبي سعيد من الحديث أكثر مما أخذ عمن هو أفضل منهم كطلحة والزبير ونحوهم.
وأما الخلفاء الأربعة فلهم في تبليغ الدين ونشر أصله؛ وأخذ الناس ذلك عنهم ما ليس لغيرهم، وإن كان يُرْوَى عن صغار الصحابة من الأحاديث المفردة أكثر مما يروي عن بعض الخلفاء.
فالخلفاء لهم عموم التبليغ وقوته التي لم يشركهم فيها غيرهم، ثم لما قاموا بتبليغ ذلك شاركهم فيه غيرهم، فصار متواترًا كجمع أبي بكر وعمر القرآن في الصحف، ثم جمع عثمان له في المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار، فكان الإهتمام بجمع القرآن وتبليغه أهم مما سواه.
وكذلك تبليغ شرائع الإسلام إلى أهل الأمصار ومقاتلتهم على ذلك واستنابتهم في ذلك الأمراء والعلماء، وتصديقهم لهم فيما بلغوه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فبلغ من أقاموه من أهل العلم حتى صار الدين منقولا نقلا عامًا متواترًا ظاهرًا معلومًا، قامت به الحجة، ووضحت به المحجة، وتبين به أن هؤلاء كانوا خلفاؤه المهديين الراشدين، الذين خلفوه في أمته علمًا وعملا.
وهو - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى في حقه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } .
فهو ما ضل، وما غوى، وكذلك خلفاؤه الراشدون، الذين قال فيهم: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. ) ) [1] فإنهم خلفوه في ذلك، فانتفى عنهم بالهدى، الضلال، وبالرشد الغي.
وهذا هو الكمال في العلم والعمل، فإن الضلال عدم العلم، والغي اتباع الهوى، ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (5) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. ) ) [2] .
فالمهتدي الراشد الذي هداه الله الصراط المستقيم، فلم يكن من أهل الضلال الجهال، ولا من أهل الغي المغضوب عليهم.
(1) رواه الإمام أحمد في المسند 4/ 126، 127. وأبو داود 5/ 13 رقم 4607، وابن ماجة 1/ 15، 16، 17. والترمذي 5/ 44 رقم 2676 وقال: حسن صحيح، وصححه غيره أيضًا من أهل العلم.
(2) رواه الإمام أحمد في المسند 4/ 378 - 379، والترمذي 4/ 67 وقال: حديث غريب، ورواه ابن جرير بأسانيد صحيحة. انظر التفسير 1/ 186.