ويمكن الاستشهاد لهذا ببيت واحد واضح قريب المتناول وهو قول أبي الطيب المتنبي:
باد هواك صبرت أم لم تصبرا * وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
فقد انتقد المتنبي حين أنشد هذا البيت بأنه خالف بين سبك الشطرين ففي الشطر الأول ابتدأ بالإثبات (صبرت) ثم ثني بالنفي (لم تصبرا) وفي الشطر الثاني ابتدأ بالنفي (لم يجر دمعك) ثم أتى بالإثبات (جرى) فخالف بين الشطرين بأن قدم الإثبات في الشطر الأول وقدم النفي في الشطر الثاني، وقد رد المتنبي هذا بأنه إن كان خالف بين الشطرين من حيث اللفظ فقد وفق بينهما من حيث المعنى وذلك أن من صبر لم يجر دمعه ومن لم يصبر جرى دمعه فقدم الصبر وعدم جريان الدمع لأنهما متناسبان من حيث المعنى الباطن وإن اختلفا من حيث الظاهر واللفظ إثباتًا ونفيًا وكذلك الآية فإنه قد يظهر أن الجوع والعري غير متناسبين، والظمأ والضحى غير متناسبين ولكن هذا في الظاهر وأما في الباطن فهما أشد تناسبًا كما سلف توضيحه في كلام ابن القيم رحمه الله.
ويمكن أن نضيف هنا سببًا أخر للجمع بين الجوع والعري وبين الظمأ والضحى وهو أيضًا سبب في تقديم ذكر الجوع والعري وتأخير الظمأ والضحى: فالملاحظ في الآية أنها ابتدأت بذكر الجوع والعري ثم ذكرت الظمأ والضحى، وقد يكون السبب في هذا ــ والله أعلم ــ هو مزيد الاهتمام بهاتين الخصلتين لتعلق الجوع والعري بابتلاء آدم عليه السلام وذلك إن الله سبحانه وتعالى حين أسكن آدم الجنة ما نهاه عن شيء سوى الأكل من الشجرة ثم ذكر ما أنعم الله عليه في الجنة من عدم الجوع والعري والظمأ والضحى، فابتدأ بالجوع لأن آدم ابتلي بالشجرة فكونه لا يجوع في الجنة أدعى وأحث له على عدم ألأكل من الشجرة لأنه في غنى عنها، فإن أكل منها فكونه لا يجوع أشد في التوبيخ له لأنه أكل منها مع أمنه من الحاجة. ثم إن معصية آدم بالأكل من الشجرة ستسبب له الخروج من الجنة والوقوع بالجوع، فهو بالأكل تسبب لنفسه بالجوع في الدنيا ولذلك ناسب أن تبتدئ الآية بذكر نعمة الله على آدم بعدم الجوع في الجنة.
وأما ذكر العري بعد ذلك مباشرة فلما فيه من التعلق بابتلاء آدم فإن هناك نوع اقتران بين الجوع والعري وذلك أن أكل آدم من الشجرة سبب له العري مباشرة، كما قال تعالى في تمام الآيات في سورة طه: فأكلا منها