فإذا أردنا الاستغراق في ذلك البيان تداعي إلى الذهن خبر الصحابّي الذي كان عاجزًا ساعة احتضاره عن نطق الشهادة، وعندما علم صلى الله عليه وسلم بأمره استدعى أمَّه، وسألها عن حالها معه، فقالت: إني غاضبة عليه، فأمر بإشعال نار ثم قال: (إنْ لم ترضي عنه ألقيته في النار) فقالت: لا يا رسول الله، لقد رضيتُ عنه. فجري لسانه بالشهادة
فما الذي دفع الأم إلى ذلك الرضى وغفران ما كان من عقوق ابنها لها؟ إنها تلك الرَّحمة التي أودعها الله في قلوب الآباء والأمهات.
وقد استعان صلى الله عليه وسلم بحال الأمهات مع الأبناء لبيان عظم رحمة الله تعالى بالعباد، وهو ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيًا في السبي فأخذتْه فألصقته ببطنها، وأرضعتْه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ... (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟) قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) .رواه البخاري ومسلم.
وبتأمل حال الأم مع ولدها العاقّ، وحال الأم التي تمنعها الرحمة في قلبها من إلقاء ولدها في النار ندرك مدى عظم رحمته سبحانه بعباده الموحّدين، وعظم ما يعاملهم به من غفران.
2 الغفور الحليم
الناس ليسوا سواءً في الصبر على ما يصيبهم من أذى الناس، فإذا وجدْت رجلًا حليمًا، فإنه لن يكون إلا ذاك الذي يصبر على ما قد يصل على شخصه من أذى الناس صبرًا كبيرًا.