الصفحة 16 من 157

لا حرام إلا ما حرّمه الله ورسوله، ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله. ومن المسلم به أن الله لم يحرّم على لسان عبده ورسوله إلا ما كان فيه أذىً لعباده، فكان جل شأنه بذلك التحريم رحيمًا بهم، إذ بيّن لهم ما فيه أذى ونهاهم عنه.

وقد شبَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم علاقة الله تعالى بعباده بعلاقة الأم بولدها، لأن الأم أكثر رأفة ورحمة من الأب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (لله أرحم بعباده من هذه بولدها)

إلا أن الرحمة لا تقف عند حدود تحريم الخبائث، بل تتجاوز ذلك إلى الإذن إتيان بعض ما كان محرّمًا، فكان ذلك الإذن اتساعًا في صفة الرحمة لديه سبحانه، لما سبق في علمه أن عددًا من عباده قد تمرّ بهم أحوال لا يجدون فيها مطعمًا يطعمونه سوى ما نزل النص بتحريمه، فيكونوا بذلك أمام أمرين لا ثالث لهما، إما مكابدة مشقة الجوع إلى أن يصل بهم ذلك إلى الموت، وإمَّا انجرافهم إلى مخالفة النهي الوارد في كتاب الله.

والإنسان أضعف من أن يصبر على الجوع، أي أنه سينساق إلى المخالفة وهذه المخالفة تستوجب العقاب يوم القيامة، لأنها ذنب من الذنوب، فرحم جل شأنه عباده من تبعه هذه المخالفة بأن أذن لهم بالأكل ممّا حرّمه عليهم في حال الضرورة ... (فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه) وعّلق على هذه المخالفة بقوله (غفور) لأن الإذن لم يجعل هذه المحرّمات حلالًا، فكان الإذن بالأكل منها رحمة، وكان التجاوز عن إثم الأكل منها رحمة أخرى من الرحمن الرحيم الذي وُصف بأنه أرحم بعباده من الأم بولدها.

2 الغفور الحليم

إذا كان الله تعالى قد جعل رحمته بابًا من أبواب الغفران، فإنه قد فتح أبوابًا أخرى للمغفرة ومن ذلك الحلم المذكور في اسمه (الغفور الحليم) وكنا قد ذكرنا في البيان الأول مواقع المغفرة التي تنبعث من صفة الحلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت