قول الثالث: طهارة الدم الحيوان الذي يؤكل لحمه وميتة البحر مطلقًا , ونجاسة الذي لا يؤكل لحمه ودم الميتة.
ومن أدلتهم على طهارة دم الحيون الذي يؤكل لحمه مايلي:
1.صح عن ابن مسعود رضي الله عنه) أنه نحر جزورا، فتلطخ بدمها وفرثها ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ (أخرجه عبد الرزاق في"المصنف"(1/ 125) ، وابن أبي شيبة (1/ 392) ، والطبراني في"المعجم الكبير" (9/ 28 4) بسند صحيح عنه، ورواه البغوي في"الجعديات" (2/ 887 / 2503) .
قال سبحانه وتعالى) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ(المائدة:3.
الدم هنا المقصود به: المسفوح؛ لأنه قيد في آية أخرى في الأنعام قال سبحانه وتعالى)قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ(الأنعام:145.
والدم المحرم هنا هو الذي يخرج عندما تذبح الذبيحة؛ فيهراق ويسيل بكثرة ويتدفق، هذا هو الدم الحرام، أما الدم الذي يأتي مع الذبيحة إذا طبختها، ويطفو على القدر؛ فلا بأس به فهو حلال، ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم في القدور بيِّن، ويأكلون ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبرت بذلك عائشة، ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود. وهذا ليس مسفوحًا، كذلك الدم الذي يخرج من الذبيحة بعد ذبحها وبعد أن يخرج منها الدم فينزل عليك منها قطرات فهذا ليس مسفوحًا، لكن لا بأس أن يتطهر منه للتأذي ولكراهته فقط.
2.عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال)أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَاسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ الحديث (البخاري ومسلم. فلو كان دم الجزور نجسا لخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته.
3.أما أدلتهم على طهارة دم ميتة البحر مايلي: قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ.)
قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} والمراد بطعامه ميتته عند جمهور العلماء [تفسير الشنقيطي ص 90 ج 1] فهو يدل على إباحة ميتة البحر مطلقًا وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وحديث جابر قال: (غزونا جيش الخبط [هو ما يسقط من الورق عند خبط الشجر] وأميرنا أبو عبيدة