، وأنْ يكون كمن خرج من بيته على نيّة الجهاد في سبيل الله تعالى بشرطه، فمات بسبب آخر غير القتل / فإنّ له أجر الشهيد، كما ورد في الحديث، ويؤيده هنا: 3 ب ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ولم يقل بالطاعون، قال: وكذا لو وجدت هذه الصفات، ثم مات بعد انقضاء زمن الطاعون، فإنّ ظاهر الحديث أيضا أنه شهيد، ونيّة المؤمن أبلغ من عمله، قال: وأما [مَن] [1] لم يتصف بالصفات المذكورة فإنّ مفهوم الحديث أنه لا يكون شهيدا، وإنْ مات بالطاعون.
قال: ومما يُستفاد من هذا الحديث أيضا أنّ الصابر في الطاعون، المتصف بالصفات المذكورة يأمن فتنة القبر؛ لأنه نظير المرابط في سبيل الله، لمَّا كانت الشهادة الكبرى، التي هي القتل في سبيل الله تعالى تتفاوت مراتبها في الأجر والثواب بحسب أحوال المجاهدين ونيّاتهم، فكذلك هذه الشهادة الصغرى، التي هي الطاعون، ونحوه كالحرق والغرق، متفاوت أيضا مراتبها، بحسب أحوال المصابين في الصبر والجزع، والثّبات والفرار، والتفويض والتسليم، والرضا، فالصابر الراضي المحتسب المُفوِّض هو الذي يكون شهيدا، وأما الجازع الفار المتسخّط فلا يكون شهيدا، ولا سالما من الإثم والوزر، ويدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: المقيم فيه كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف.
وفي ذلك مناسبة لطيفة، فإنه جعل الصبر في الجهاد للكفار، وإخلاص النية للواحد القهار شهادة، يستوجب بها منازل الأبرار، وجعل الصبر في الطاعون، والاستسلام والرضا بقضاء الملك العلام، شهادة يستوجب بها دخول دار السلام، ولمَّا جعل الفرار من الزحف عند قتال الكفار من الكبائر الموبقات والأوزار، جعل الفرار من الطاعون الدال على عدم الرضا بالأقدار من الكبائر الموجبة للهلاك والبوار.
وقال الجلال السيوطي: إنّ هذا تصريح بأنّ الصابر في الطاعون إذا مات بغير طاعون / يأمن من فتنة القبر كالمرابط، فيكون الميت بالطاعون بذلك أولى، وإنما 4 أ سكت عنه للعلم به، فإنّ كونه شهيدا يقتضي كذلك كما صرّح الحديث بذلك في شهيد المعركة، وصرّح القرطبي بأنّ الشهادة من حيث هي مقتضية لذلك.
وأخرج أحمد [2] والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أَتَانِي جِبْرِيلُ بِالْحُمَّى وَالطَّاعُونِ فَأَمْسَكْتُ الْحُمَّى للْمَدِينَةِ وَأَرْسَلْتُ الطَّاعُونَ إِلَى الشَّامِ فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي وَرَحْمَةٌ لَهُمْ وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وهذا الحديث وغيره بعمومه يشمل مرتكب الكبيرة إذا مات بالطاعون، وهو مُصرّ، فإنه يكون له شهادة ورحمة.
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) مسند أحمد 42/ 267/ م