الخامسة في سبب وقوعه بالمسلمين: أخرج ابن ماجة [1] ، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ.
وأخرج مالك في الموطأ [2] عن ابن عباس رضي الله عنه موقوفا، والطبراني عنه مرفوعا: مَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمْ الْمَوْتُ.
وأخرج الطبراني عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يظهر/ فيهم الزنا إلاّ أُخِذوا بالفناء [3] . ... 3 أ
ولعلّ حكمته أنّ الزنا لمَّا كان في السّر، سلّط الله عليهم عدوًّا في السر، يقتلهم من حيث لا يرونه، وقاعدة العدل أنه إذا نزل بهم البلاء يعمّ المستحق وغيره، ثمّ يُبعثون على نيّاتهم.
قد تقدّم بعضه، وأخرج أحمد بسند حسن عَنْ عُتْبَةَ [4] بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ [5] فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ نَحْنُ شُهَدَاءُ فَيُقَالُ انْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا رِيحَ الْمِسْكِ [6] فَهُمْ شُهَدَاءُ فَيَجِدُونَهُمْ [7] كَذَلِكَ.
وروى البخاري والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرني أنّه كان عذابا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِن خَلْقِهِ وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ رَجَلٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بِلَادِهِ صَابِرًا مُحتَسِبًَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ.
قال الحافظ بن حجر: مقتضى هذا الجواب أنّ أجر الشهيد لمن يخرج من البلد الذي يقع به الطاعون، وأنْ يكون في حال إقامته قاصدا بذلك ثواب الله تعالى، راجيا صدق موعده، وأنْ يكون عارفا أنه ما وقع له فهو بقدر الله تعالى، وأنّ ما صرفه عنه فهو بقدر الله تعالى، وأنْ يكون غير متضجر به لو وقع، وأن يعتمد على ربه في حالتي صحته ومرضه، فمن اتصف بهذه الصفات فمات في غير الطاعون فإنّ ظاهر الحديث أنْ يحل له أجر الشهيد
(1) سنن ابن ماجة 12/ 25 / م
(2) الموطأ 3/ 349 / م.
(3) قال في روضة المحدثين 5/ 381 / م: حديث عمرو بن العاص: ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفناء. الحديث إسناده ضعيف.
(4) كتب: عقبة، وما أثبتناه من مسند أحمد 36/ 50 / م
(5) كتب: في الطاعون، وما أثبتناه من مسند أحمد 36/ 50 / م
(6) كتب: تسيل دما وريحهم كريح المسك، وما أثبتناه من مسند أحمد 36/ 50 / م
(7) كتب: فيجدون كذلك، وما أثبتناه من مسند أحمد 36/ 50 / م