الصفحة 19 من 33

إن هذه الصلة الوثيقة بين ذوي القربى ليست بالغريبة، فبين أولي القربى القرابة الجامعة والرحم الواصلة، قال تعالى:"وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضه في كتاب الله [1] . وقال صلى الله عليه وسلم:"الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله [2] . كل ذلك ليظل المجتمع المسلم مترابطًا ومتماسكًا يشد بعضه بعضًا.

لم يقتصر حرص الإسلام على تقوية الرابطة بين ذوي القربى فحسب، بل اهتم بتقوية وتمتين البناء الاجتماعي بين الناس كافة، قال الله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" [3]

ولقد جاء تقديم الوالدين على ما سواهما في هذا الشأن، عدلًا منه ورحمة بالأرحام ووفاءً وبرًا، قال الله تعالى:"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا" [4] .

وفي الحديث: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب، ورحم موصولة" [5] . وتنطلق النصوص من داخل الأسرة الصغيرة لتحيط بالمجتمع بأسره، فبين الجيران حقوق واجبة:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" [6] وفي حق الضيف:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه [7] . وفي الصلة بين الصغير والكبير"من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا" [8] . وبين سائر أفراد المجتمع"المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك أصابعه" [9] . وهكذا تتجلى صلات المجتمع في أبهى صورها. وحتى يحافظ الإسلام على الوحدة من خلال ذلك التلاقي والانسجام، حرم التفرق والانقسام، ونهى عن كل ما يفضي إليه؛ فحرم على المسلمين أن يسخر بعضهم من بعض، أو يتجسس بعضهم على بعض. كما حرم عليهم الغيبة والتحاسد، والتباغض والتدابر،

(1) الأنفال: 75.

(2) أخرجه مسلم عن حديث عائشة رضي الله عنها، في كتاب البر والصلة والآداب، ج 4، ص 1981، رقم (2555) .

(3) الحجرات: 13.

(4) النساء: 36.

(5) أخرجه أبو داود 40 في كتاب الأدب 119، 120، باب في بر الوالدين 5، 351، 5140.

(6) متفق عليه، أخرجه مسلم، 45 كتاب البر والصلة 42 باب الوصيلة بالجار والإحسان إليه، ج 3، ص 2025، رقم (2625) .

(7) متفق عليه أخرجه مسلم 31، كتاب اللقطة، 3 باب الضيافة ونحوها، جـ 2، ص 1352 - 1353، رقم 14 (48) .

(8) أخرجه أبو داود، 40 كتاب الأدب 58، باب في الرحمة، 5، 232 - 233، 4943.

(9) متفق عليه أخرجه البخاري، 8 كتاب الصلاة، 88 باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ج 8، ص 565 رقم 418. ومسلم 45 كتاب البر والصلة والآداب 17 باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ج 3، ص 1999، 15 رقم 65 (2585) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت