الصفحة 102 من 287

هل كانت الصوفية - اسمًا ونهجًا - اتجاهًا حادثًا في تاريخ الإسلام، أم أن فتور جمهور المسلمين عن نهج النبوة هو الذي أظهر الزهاد و الصوفية بمظهر الحركة الحادثة في الملة بحيث أن حقيقتهم هي الثبات على نهج أصبح في زمانهم متروكًا من قبل عامة الناس؟ للإجابة على هذا السؤال يمكن الرجوع إلى ابن خلدون فهو يقدم تحليلًا دقيقًا ليس ههنا مجاله [1] .

إذن، يؤكد كل من السراج، والكلاباذي، والقشيري على ان نهج التصوف أصيل في الإسلام بصرف النظر عن الموقف تجاه حدوث التسمية أو أصالتها. وإذا كان الأمر كذلك يغدو الحديث عن"منشأ النزوع إلى التصوف"أمرًا غير ذي صلة لأن الكلام عن منشأ النزوع ينطوي على حركة طارئة تنفيها المصادر الثلاثة آنفة الذكر.

أما مكانة التصوف من بقية العلوم الشرعية، فيجعل السراج الطوسي علوم الشريعة اربعة أقسام:

علم الرواية، وعلم الدراية الذي هو الفقه وما يتعلق به، وعلم القياس و النظر والاحتجاج على المخالفين وهو علم الجدل، واخيرًا وهو اعلاها علم الحقائق والمنازلات وعلم المعاملة و المجاهدات وما يتصل بها من تصحيح النوايا و الإرادات و تصفية السرائر و علم القلوب الذي هو علم التصوف،"فإذا اجتمعت هذه الاقسام الأربعة في واحد فهو الامام الكامل، وهو القطب و الحجة و الداعي إلى المنهج و المحجة" [2] ، وينتظر أن يصبح اسم القطب والامام الكامل من الاسماء التي يتداولها الصوفية على نحو واسع.

وعلى نفس المنوال ينسج الكلاباذي، ولكنه يختصر فيجعلها علوم دراسة وعلوم وراثة [3] . وسوف يتكرر هذا التصنيف للعلوم ضمن ثلاثة فروع هي: علم الرواية، وعلم الدراية، وعلم الرعاية (وهو العلم الثاني المستفاد من العمل بالعلم الأول) .

وقد شهد التصوف عددًا من التطورات الهامة حتى القرن الرابع الهجري أوجزها الكلاباذي على نحو جليّ. ففي الفترة التي عاش فيها الصحابة و التابعون وتابعو التابعين كانت القدوة بالفعل تغني عن القول، ولكن بعد ان قلت

(1) انظر: ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، (ت 808 هـ) . المقدمة، ط 4، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978. ص 467.

(2) انظر: السراج، اللمع، ص 323 - 325.

(3) انظر: الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت