الرغبة في هذا العلم وفتر الطلب له حدث تطور تال تمثل في الكلام في علم التصوف و تدوينه في رسائل وكتب مع وجود رجال تتسع صدورهم لفهمه. ثم تطور الأمر إلى ان ذهب المعنى وبقي الاسم، وغابت الحقيقة وبقي الرسم، و ادعى التصوف من لم يعرفه وتحلى به من لم يصفه، وكتمه بصدقه من أظهره ببيانه، وادخل في التصوف ما ليس منه، ونسب إليه ما ليس فيه فجعل حقه باطلًا، فانفرد المتحققون فيه و سكتوا غيرةً ان يدعيه من ليس من اهله، فنتج عن ذلك ان نفرت قلوب الناس من التصوف، فذهب العلم و اهله إلى ان صار الجهال علماء، و العلماء أذلاء [1] وهذا المطهر المقدسي (ت 355 هـ) عندما يتكلم عن الصوفية لا يأتي لهم بحسنة واحدة [2] . لهذا كله ربما يُفهم سبب حساسية الفقهاء تجاه عامة الصوفية وهي حساسية استمرت بعد ذلك حتى مجيء رجال مثل القشيري الذي مهّد للغزالي فخفت بظهوره شدة الحساسية تجاه الصوفية، وبدخول القرن السادس تلاشت الحساسية بين الفقهاء و الصوفية أو كادت.
وتأكيدًا للتطور الثاني الذي وصفه الكلاباذي يُذكر ان الجنيد البغدادي (ت 297 هـ) قال للشبلي (ت 334 هـ) ما نصه:"نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرًا ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ" [3] . ويفهم من ذلك ان هذا العلم كان مكتومًا ومقصورًا على أهله قبل أن يظهره الشبلي ويتكلم فيه في العلن. لقد كان كتمان هذا العلم عن غير أهله مفهومًا ومبررًا نظرًا لما آل إليه الأمر بعد إفشائه من ادعاء الادعياء له وبالتالي نفور الناس عنه.
إن ظهور علم التصوف بعد كتمانه، وتدوينه بعد ان كان يتلقى من صدور الرجال، وادعاءَه من قبل الادعياء غير المحققين من اهله وبالتالي نفور القلوب منه، يتطلب في فترة لاحقة تمييز المحققين من الادعياء عبر ما عرف في تاريخ التصوف بالكرامات، وينتظر ان تكون تلك كرامات علنية بقدر العلنية التي آلت إليها علوم التصوف نفسها وذلك حتى يتم تمييز المدعي من المحقق، وهذه الكرامات العلنية التي شهدتها الجموع هي من اكثر ما يميز الفترة التي عاشها الشيخ عبد القادر الجيلي في بغداد في القرن السادس. لقد كانت الكرامات ضرورة تاريخية - إضافة إلى ضرورتها الروحية - في زمن كثر فيه الادعياء من جهة
(1) للتوسع انظر: الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 20.
(2) انظر: المقدسي، المطهر بن طاهر (ت 355 هـ) . البدء والتاريخ، 6 ج، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، (د. ت.) . ج 5، ص 148.
(3) الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 145.