ويحزن القلب ويدمع العين فكيف باستعماله وذوقه، وليس للنفس في منازلته حظ لأنه منوط بإماتة النفوس ومجانبة المراد، فمن اجل ذلك ترك العلماء هذا العلم، واشتغلوا باستعمال علم يخف عليهم المؤن ويحثهم على التوسع والرخص و التأويلات [1] .
أما الذين عادوا الصوفية واعتقدوا فيهم الباطل فصنفان، الأول: قوم لم يفهموا معاني ما اشار إليه الصوفية في كلامهم. و الثاني: قوم علموا مقاصد الصوفية ومعانيهم، أو قد صحبهم زمانًا فلم يصبر على حالهم، فطلب الرياسة وجعل الوقيعة في الصوفية سلمًا لجمع الدنيا وجمع قلوب العامة له [2] .
رغم ذلك، هناك انتقادات حقيقية موجهة للصوفية، وخير من نقد الصوفية هم الصوفية انفسهم، ولايكاد يخلو كتاب من كتب الصوفية إلاّ وفيه نقد لبعض فئات الصوفية أو لبعض مسلكياتهم او اقوالهم او معتقداتهم، حتى كاد ان يكون ذلك سُنّة سار عليها مؤلفو الكتب منهم. إلا ان انتقادهم لانفسهم يأخد شكل انتقاد الشطحات و الغلطات [3] بينما انتقادهم لأدعياء التصوف يأخذ شكل الشكوى من زمانهم واندراس طريق الصوفية، ومن ذلك ما يصفه علي بن عبد الرحيم القناد (ت 330 هـ) شعرًا حيث يقول:
أهل التصوف قد مضوا ... صار التصوف مخرقه
صار التصوف صيحة ... وتواجدًا ومطبّقه
مضت العلوم فلا علومَ ... ولا قلوب مشرقه
كذبتك نفسُك ليس ذا ... سنن الطريق المخلقه
حتى تكون بعينِ مَن ... عنه العيون المحدقه
تجري عليك صروفه ... وهموم سِّرك مُطرقه [4]
وفي هذا شكوى مما آل إليه حال الصوفية إلى مجرد لبس الخرق والصياح والتواجد.
وكذلك يشتكي القشيري (ت 465 هـ) من صوفية زمانه، وانقراض المحققين منهم، وحصول الفترة في هذه الطريقة، فمضى الذين يُهتدى بهم، وقلّ الشباب المقتدون، و ضعف الورع و اشتد الطمع، وضعفت حرمة
(1) السراج، اللمع، ص 19.
(2) السراج، اللمع، ص 349.
(3) للتوسع انظر: المصدر نفسه، ص 362 - 386.
(4) المصدر نفسه، ص 28.