الصفحة 107 من 287

الشريعة في القلوب [1] . إن كلام القشيري يؤكد دخول التصوف حالة من الفتور قبل القرن السادس، وكلامه يفسر سببها.

لقد كان التصوف مأوىً يلجأ إليه التائبون من العيارين و الشطار وقطاع الطرق والفتيان، ومن مشاهير الزهاد و الصوفية الذي جاءوا من هذه الخلفيات الاجتماعية: شقيق البلخي [2] (ت 174هـ) ، والفضيل بن عياض [3] (ت 187هـ) ، وربما كان لهؤلاء دور في إدخال بعض الألفاظ الجديدة إلى التصوف. وقد استمر هذا التفاعل بين هذه الفئات الاجتماعية والصوفية إلى فترات متأخرة من القرن السادس الهجري في العراق عامة.

ومن الظواهر التي بقيت مستمرة في تاريخ التصوف البغدادي منذ البداية وحتى ما بعد القرن السادس، الظاهرة المتمثلة بالتفقه ثم التصوف، إلاّ أن هذه الظاهرة كانت تمر بفترات يعتريها الفتور، وكان أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) من أشهر من دفع إلى إحياء هذا التوجه في نهايات القرن الخامس وبدايات القرن السادس الهجري. ومن متقدمي فقهاء الصوفية المذكورين بإسناد الحديث و الفقه وعلم القراءات الفضيل بن عياض (ت 187هـ) ، وبشر بن الحارث (ت 227هـ) ، والحارث بن أسد المحاسبي (ت 243هـ) ، و الجنيد (ت 297هـ) ، و رويم (ت 303هـ) ، وغيرهم كثر حتى كاد يكون ذلك من ميزات الصوفية الأوائل [4] . فيذكر مثلًا عن ابي الحسن سري بن المغلّس السقطي (ت 251 هـ) قوله في هذا الشأن:"إذا ابتدأ الانسان بالنُسك ثم كتب الحديث فتر، و إذا ابتدأ بكتب الحديث ثم تنسك نفذ" [5] ، وكان هذا ايضا موقف الشيخ عبد القادر الجيلي في القرن السادس، بمعنى ان النهج استمر.

وقد كان اعتزالهم و تصوفهم، بعد تفقههم، له حدود مضبوطة بالشرع، فاعتزالهم وخلوتهم لم تكن قطيعة مع المجتمع، و إنما هي فترة يقضونها ثم يرجعون إلى المجتمع ليفيدوا اهله من ثمرات احوالهم في خلواتهم. يقول داود الطائي (ت القرن الثالث هـ) عن طبيعة وحدود هذه العزلة:"فر من الناس كفرارك من السبع غير طاعن عليهم ولا تارك لجماعتهم" [6] .

(1) انظر: القشيري، الرسالة، ص 4 - 5.

(2) المصدر نفسه، ص 22.

(3) المصدر نفسه، ص 15.

(4) السلمي، طبقات الصوفية، ص 8، 41، 56، 155، 180 على التوالي.

(5) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 1، ص 407.

(6) المصدر نفسه، ج 8، ص 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت