وقد كان اعتزالهم وخلواتهم تأخذ شكل السفر، أو الإقامة في البراري ورؤوس الجبال، أو الإقامة في الثغور و الرباطات على حدود البلاد، وربما اختلى بعضهم في بيته فلا يخرج إلا لصلاة الجمعة.
وكان سفر الصوفية من باب عبادة السياحة من مميزات حركة التصوف. وكان سفر الصوفية على ضربين: سفر على الاقدام ويسمونه السفر على التوكل أو على الوحدة أو على التجريد و يتميز هذا النوع بأن المسافر لايحمل فيه زادًا ولا يأخذ راحلة ولا ركوبًا ولا رفيقًا. و ترتبط طريقة التوكل لدى كثير من الصوفية بكثرة الاسفار، فكان سفرهم بقصد تدقيق احوال توكلهم، ومن مشاهيرهم في هذا الباب ابو تراب النخشبي (ت 245 هـ) الذي تخرج عليه في هذا الفن رجال كثر [1] ، ومنهم كذلك إبراهيم الخواص (ت 291 هـ) الذي وصف شعرًا هذا الحال من السفر على التوكل فقال:
لقد وضح الطريق إليك حقًا ... فما أحدٌ بغيرك يستدلُّ
فإن ورد الشتاء فأنت كهف ... وإن ورد المصيف فأنت ظلُّ [2]
وكان ممن اشتهر بكثرة الاسفار من الصوفية جعفر بن محمد الخلدي
(ت 348هـ) الذي سافر الكثير ولقي المشايخ الكبراء من المحدثين والصوفية ثم عاد إلى بغداد فاستوطنها [3] ، وابو بكر محمد بن عبد الله الرازي المذكر الصوفي (ت 376 هـ) الذي كان جوالًا كثير الاسفار [4] . كما اشتهر منهم ابو سعد الانصاري الصوفي الماليني احمد بن محمد (ت 412هـ) ، وهو احد الرحالين في طلب الحديث و المكثرين منه [5] .
أما الضرب الثاني من السفر فكان على ما تسميه الصوفية سفر القلوب، يقول ذو النون المصري (ت 245 أو 246 هـ) :"سافرت ثلاثة أسفار وجئت بثلاثة علوم، ففي السفر الأول جئت بعلم قبله العوام و الخواصّ، وفي السفر"
(1) السلمي، طبقات الصوفية، ص 146 - 147، 149.
(2) الجامي، الملا نور الدين عبد الرحمن بن احمد، (ت 898 هـ) . نفحات الأنس من حضرات القدس، ط 1، 2 ج، 2م، (تحقيق محمد أديب الجادر) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003. ج 1، ص 207.
(3) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 7، ص 234.
(4) المصدر نفسه، ج 3، ص 83.
(5) المصدر نفسه، ج 5، ص 135.