الصفحة 109 من 287

الثاني جئت بعلم قبله الخواصّ دون العوام، وفي السفر الثالث جئت بعلم ما قبله الخواصّ ولا العوام، فبقيت شريدًا طريدًا وحيدًا"، ويفسر شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي (ت 481 هـ) هذا القول فيقول:"كان العلم الأول علم التوبة .... والعلم الثاني علم التوكل .... و العلم الثالث علم الحقيقة فما حمله علم الخلق ولا احتمله عقل العقلاء، فهجروه و أنكروا عليه"، وقال:"ما كان السفر الثالث برجل بل كان بالهمم" [1] ."

وقد كان للجنيد (ت 297 أو 298 هـ) موقف تجاه كثرة الأسفار، ولكنه موقف الواصلين وليس موقف السائرين، فيُذكر أن أبا الحسن النصيبي صاحب الأسفار الكثيرة على التجريد وقطع البادية التقى الجنيد فقال له الجنيد: لو جلست الساعة عن السفر فإنك قد ضعفت عنه، فقال: يا أبا القاسم، ما اختلف الفقهاء في الماء الجاري دائمًا و إنما اختلفوا في الماء الواقف. فقال الجنيد:"يا أبا الحسن، إذا كنت واقفًا فكن بحرًا لا يُغيرك شيء" [2] .

وقد استمر السفر على التجريد إلى القرن السادس في بغداد فهو من ملامح الاستمرار في الطريق الصوفي التي لم تشهد تغييرًا حتى ذلك الحين.

أما مصنفات الصوفية في القرون التي سبقت القرن السادس الهجري فهي كثيرة، وليس هنا مجال ذكرها، ويمكن الرجوع إلى كارل بروكلمان [3] وفؤاد سزكين [4] للاطلاع عليها هناك بتوسع.

كان المسلمون عامة، و اهل بغداد خاصة، لهم عناية كبيرة بأخبار من كانوا يعرفون باسم الأبدال (جمع بدل) ، حتى ان مؤرخين كالخطيب البغدادي استعملوا اللفظة لوصف رجال ترجموا لهم في مؤلفاتهم، وكان عدد ممن وصفوا بهذا الوصف من الصوفية، منهم بشر بن الحارث الحافي (ت 227 هـ) الذي وصفه احمد بن حنبل بأنه"رابع سبعة من الأبدال" [5] .

وفي القرن السادس الهجري اكثر الشيخ عبد القادر الجيلي من ذكر الابدال

(1) الجامي، نفحات الأنس، ج 1، ص 47 - 48.

(2) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 4، ص 214.

(3) انظر: بروكلمان، كارل، (د. ت.) . تاريخ الأدب العربي، 6ج، (نقله إلى العربية الدكتور عبد الحليم النجار، السيد يعقوب بكر، رمضان عبد التواب) ، دار المعارف، القاهرة. أنظر ج 4.

(4) سزكين، فؤاد، (1991) . تاريخ التراث العربي، 10 ج، 3 م، (نقله إلى العربية محمود فهمي حجازي) ، جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية.

(5) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 7، ص 71 - 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت