في خطبه ومواعظه ومؤلفاته، وعلى ذلك فهو من ملامح الاستمرارية في التصوف. وقد أورد ابن ابي الدنيا (ت 281 هـ) تعريفًا مفصلًا بالأبدال ودرجاتهم، منهم اوتاد الأرض، خلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعددهم اربعون، لا يموت رجل منهم حتى يخلفه آخر، قلوب ثلاثين منهم على مثل قلب ابراهيم، فضلوا الناس بصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب والنصيحة لجميع المسلمين بصبر وخير ولب حليم وتواضع في غير مذلة، لا يلعنون شيئًا ولا يؤذون احدًا، ليسوا متخشعين ولا متماوتين ولا معجبين، ولايحبون الدنيا، ليسوا اليوم في خشية وغدًا في غفلة [1] . وقد لاحظ ماسينيون ان غالبية الابدال هم من الموالي، من المستعربين المسلمين،"خيرة باعثي الحضارة الإسلامية المدينية" [2] .
سن المستشرق جولدسيهر سُنةً تبعها من جاء بعده، فهو يفرق بين تيارين مختلفين في التصوف الاسلامي هما الزهد و التصوف، فهو يعتبر الزهد قريبًا من روح الاسلام و متأثرًا بالرهبانية المسيحية، أما التصوف بما هو كلام في المعرفة والاحوال و المواجد والأذواق فيعتبره متأثرًا بتأثيرين خارجيين: الافلاطونية المحدثة و البوذية الهندية [3] .
إلا أن الموقف الاستشراقي من صلة التصوف المبكر بوحدة الوجود خفت حدته لدى كثير من المستشرقين في كتاباتهم المتأخرة، بل تراجعوا عن وحدة الوجود لصالح مبدأ"وحدة الشهود"وهو مبدأ أقرب للاسلام منه للتأثيرات الخارجية [4] .
(1) ابن ابي الدنيا، أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي، (ت 281 هـ) ، الأولياء، ط 1، (تحقيق محمد السعيد بن بسيوني الزغلول) ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، 1993. ص 27.
(2) ماسينيون، آلام الحلاج، ج 1، ص 62.
(3) انظر: نيكولسون، رينولد أ.، (1947) . في التصوف الإسلامي وتاريخه، (نقلها إلى العربية وعلق عليها ابو العلا عفيفي) ، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر. انظر مقدمة المعرب، صفحة رقم ز.
(4) انظر: المرجع السابق، مقدمة المعرب، صفحة و، ق. ماسينيون، آلام الحلاج، ج 1، ص 33. شيمل، أنا ماري، (2006) . الابعاد الصوفية في الاسلام وتاريخ التصوف، ط 1، (ترجمة محمد إسماعيل السيد، رضا حامد قطب) ، منشورات الجمل، كولونيا - المانيا. ص 85.