ويبدو أن التصوف في العراق في تلك الآونة كان قد ابتعد عن رقابة السلطة الرسمية حيث انتقل مركزه من بغداد إلى البطائح [1] حيث ورث أبا بكر بن هوار تلميذه أبو محمد الشنبكي الذي قام بعد شيخه بنشر المشيخة في العراق، وقد كان قبل ذلك يقطع الطريق أيضًا، وهو من قبيلة كردية مثل شيخه، ومن اشهر تلاميذه الشيخ عزاز بن مستودع البطائحي، والشيخ منصور البطائحي خال الشيخ احمد الرفاعي (ت 578 هـ) ، و تاج العارفين أبو الوفا (ت بعد 500 هـ) [2] . ومن الشيخ منصور البطائحي يمتد تصوف الرفاعية، بينما كان تلاميذ تاج العارفين أبي الوفا من اشهر الرجال الذين كانوا يحضرون مجالس الشيخ عبد القادر الجيلي في بغداد، ومنهم علي بن الهيتي (ت 564 هـ) الذي قال عنه الشيخ الجيلي في القرن السادس الهجري:"كل من دخل بغداد من الأولياء من عالم الغيب و الشهادة فهو في ضيافتنا، ونحن في ضيافة الشيخ علي بن الهيتي" [3] ، ويبدو من هذا الكلام ان لسلسلة ابن الهيتي أسبقية على كل من دخل بغداد بعد انقراض رجال الرسالة القشيرية. أما بقية تلاميذ تاج العارفين أبي الوفا فأشهرهم بقا بن بطو وعبد الرحمن الطفسونجي، ومطر البادرائي وماجد الكردي، و سيأتي ذكر الجميع في حينه.
أما متصوفة بغداد المذكورون في القرن الخامس الهجري فكانوا في الغالب من أصول غير بغدادية، فكثير منهم ولد خارج بغداد و إن كان استوطنها أو نشأ فيها، وربما كان لهذا صلة بالأحداث التي شهدتها بغداد والتي انتهت بزوال سيطرة البويهيين وابتداء سيطرة السلاجقة منذ دخولهم بغداد سنة 447 هـ.
وقد فرضت الظروف الداخلية و الخارجية على الدولة السلجوقية ضرورات نشأ عنها ميل الوزير نظام الملك إلى المذهب الشافعي إلى جانب ميل أشعري وصوفي، وهي ميول صبغت توجهاته العلمية والثقافية، فوقفت المدرسة النظامية - التي شرع في انشائها ببغداد سنة 457 هـ وافتتحت سنة 459 هـ - على المذهب الشافعي، في الوقت الذي كان جلّ أهل بغداد حنابلة، الأمر الذي من شأنه ان يثير توترات مذهبية بين الحنابلة و الشافعية لها ارتدادات سياسية، أو العكس، بمعنى ان توترات العلاقة بين الخلافة العباسية و السلطنة السلجوقية انعكست على العلاقات المذهبية داخل بغداد بين الحنابلة
(1) البطائح جمع بطيحة: ارض واسعة بين واسط والبصرة يغلب عليها الماء وفيها معاقل لمن جار عن طاعة السلطان. ياقوت، معجم البلدان، ج 1، ص 450 - 451.
(2) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 287 - 293.
(3) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 331.