الصفحة 114 من 287

مرات وحدث بها عن شيوخ خرسان، وقد صنف للصوفية"سننًا و تفسيرًا و تاريخًا" [1] ، وجمع من الكتب مالم يسبق إلى ترتيبه حتى بلغ فهرست تصانيفه المائة و أكثر، و انتخب عليه الحفاظ الكبار [2] ، ويذكر له سزكين سبعًا و عشرين مصنفًا في التصوف [3] . ومنهم الحافظ ابو نعيم الاصبهاني الصوفي، احمد بن عبد الله بن احمد (ت 430 هـ) الجامع بين الفقه و التصوف، رحل إليه الحفاظ من الأقطار، واجاز له من بغداد جعفر الخلدي، ومن اشهر مصنفاته كتاب حلية الأولياء [4] . ومن اشهر من ورد بغداد و اقام فيها مدة من متصوفة المشرق ابو القاسم القشيري، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة [5] (ت 465 هـ) ، كان علامة في الفقه و التفسير والحديث و الاصول والأدب و الشعر و الكتابة وعلم التصوف، جمع بين الشريعة و الحقيقة، واصله من العرب الذين قدموا خراسان. له من المصنفات ذات الأثر في تطور التصوف كتاب الرسالة في رجال الطريقة، إضافة إلى التيسير في علم التفسير وهو من اجود التفاسير، وقد دخل القشيري بغداد سنة 448 هـ، وكان يعرف الاصول على مذهب الاشعري و الفروع على مذهب الشافعي [6] . ويبدو ان لأبي القاسم القشيري، وابنه عبد الرحيم من بعده، دورًا في النهوض بمذهب الأشعري في بغداد في القرن الخامس الهجري، وهو ما أدى لاحقًا إلى احتكاكات مع حنابلة بغداد.

ففي سنة 445 هـ اعلن بنيسابور لعن ابي الحسن الأشعري فضج من ذلك ابو القاسم القشيري وعمل رسالة سماها شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة، وكان ذلك في عهد السلطان السلجوقي طغرلبك، ولم يستجب السلطان لشكاية القشيري [7] . وقد سُعي بالقشيري إلى الولاة حتى أدى ذلك إلى رفع مجالسه وتفرق شمل اصحابه، واضطر إلى مفارقة بلده، فوصل على اثرها إلى بغداد فورد على الخليفة القائم بأمر الله، ولقي في بغداد القبول وعقد له المجلس في منازله المختصة به، ثم خرج الأمر بإعزازه و إكرامه فعاد إلى نيسابور [8] .

ويبدو من اسناد طريقة القشيري الصوفية انها بغدادية الأصل، فقد أخذ التصوف عن الأستاذ أبي علي الدقاق (ت 405 هـ) ، وهذا عن ابي القاسم النصراباذي (ت 369 هـ) ، وهذا عن الشبلي (ت 334 هـ) ، وهذا عن الجنيد (ت 297 أو 298 هـ) ، وهذا عن السري السقطي (ت 251 هـ) ، وهذا عن معروف الكرخي (ت 200 هـ) ، وهذا عن داود الطائي وداود لقي التابعين [9] .

وبتسلم السلطان السلجوقي ألب أرسلان زمام السلطة سنة 455 هـ تحسنت احوال القشيري، والأشاعرة عموما، فبقي محترمًا معظمًا حتى نهاية عمره [10] . ان تزايد نفوذ الوزير نظام الملك في عهد السلطان ألب أرسلان انعكس على تحسن أوضاع الصوفية و الأشاعرة، والعلماء عمومًا و الشافعية خصوصًا، وقد لمس أهل بغداد دلالات ذلك التحسن بقرار إنشاء المدرسة النظامية في بغداد.

يلاحظ في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري أن الخلفية المذهبية للفقهاء الصوفية في بغداد كانت عموماَ شافعية بسبب تبني نظام الملك هاتين الوجهتين، ومنذ أبي القاسم القشيري (ت 465 هـ) تلازمت الأشعرية مع تصوف الفقهاء المبعوثين من نظام الملك إلى بغداد، لكن هذا ليس مدعاة للتعميم بأن كل الصوفية شافعية، فقد كان هناك صوفية حنابلة وان كان بعضهم غير بغدادي مثل شيخ الاسلام ابي اسماعيل الانصاري الهروي، عبد الله بن محمد [11] (ت 481 هـ) والفقيه الحنبلي ابو الفرج الحنبلي الواعظ، عبد الواحد بن محمد بن علي (ت 486 هـ) وكان يعرف ببغداد بالمقدسي [12] ، وكان أبو الوفاء ابن عقيل

(1) المصدر نفسه، ج 2، ص 244 - 245 (الرقم 717) .

(2) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 4، ص143 - 144 (الرقم 321)

(3) سزكين، تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، ج 4، ص 178 - 184.

(4) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 4، ص 18 - 22 (الرقم 254) .

(5) انظرترجمته في: السمعاني، الانساب، ج 4،ص503. ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج 8، ص 280. ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج3، 205 - 208. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 30، ص170 - 175. الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 19، ص 63 - 64. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 5، ص 153 - 161. الاسنوي، طبقات الشافعية، ج 2،ص 157 - 158. ابن كثير، البداية و النهاية، ج 12، ص 131.

(6) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 3، ص 205 - 207.

(7) ابن الجوزي، ابو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، (ت 597 هـ) ، المننتظم في تاريخ الملوك والأمم، ط 1، 10 ج، دار صادر، بيروت، 1358 هـ. ج 8، ص 157 - 158.

(8) الذهبي، شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان، (ت 748 هـ) ، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، ط 1، (عدا ج 1، ج 9:ط2) ، 52 ج، تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1988 - 2000. ج 30، ص 175.

(9) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 5، ص 157.

(10) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 5، ص 158.

(11) انظر ترجمته في: الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 17، ص 307. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج1، ص 50 (ترجمة موسعة) .

(12) انظر ترجمته في: الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 33، ص 179. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج1،ص 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت