الصفحة 115 من 287

(ت513هـ) الفقيه الحنبلي في بغداد قد صنف في زمان شبابه جزءًا يمدح فيه الحلاج، وقد جرت فتنة لأجله في بغداد سنة 461 هـ لأسباب منها ترحمه على الحلاج فأراد الحنابلة الايقاع به فاختفى إلى سنة 465 هـ ثم رجع عن ذلك [1] .

أما شيخ الإسلام ابو إسماعيل الانصاري الهروي الحنبلي الصوفي فقد لاقى شدة طال أمدها على يد نظام الملك بسبب موقفه المعارض للأشاعرة، ومما يلفت الانتباه أنه تلقى خلعة شريفة من الخليفة القائم بأمر الله سنة 462 هـ، ثم تلقى في سنة 474 هـ خلعة أخرى من الخليفة المقتدي مع الخطاب واللقب بشيخ الإسلام، شيخ الشيوخ زين العلماء، ولكن يذكر ان السبب في هذه الخلع هو الوزير نظام الملك شفقة منه على أصحاب الحديث و صيانة عن لحوق شين بهم [2] .

وقد صاغ شيخ الإسلام الأنصاري موقفه من الاشاعرة شعرًا فقال:

كن إذا ما حاد عن حدّ الهدى ... أشعريُّ الرأي شيطان البشر

شافعيّ الشرع، سنيَّ الحُلى ... حنبلي العقد، صوفي السّير [3]

وقد جرى في بغداد عدد من الفتن بين الحنابلة و الأشاعرة، وقع أشدها في سنة469هـ عندما ورد إلى بغداد الصوفي الأشعري أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري وجلس في المدرسة النظامية واخذ يذم الحنابلة و ينسبهم إلى التجسيم، و تعصب له أبو سعد الصوفي شيخ الشيوخ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي أستاذ النظامية. وفي هذه الفتنة اتهم الشافعية المدعومون من قبل نظام الملك ديوان الخليفة بالوقوف إلى صف الحنابلة البغداديين، بينما اتهم شيخ الحنابلة الشريف ابو جعفر عبد الخالق بن عيسى الهاشمي العباسي (ت 470 هـ) اتهم أبا إسحاق الشيرازي بأنّه استقوى بالأعوان و السلطان وخواجا بزرك (نظام الملك) فأظهر ما كان يكتم من اعتقاد اشعري [4] . وتشعر الروايات التي توردها المصادر بأن هنالك تحالفًا بين الخليفة والحنابلة من جهة، وبين السلطنة السلجوقية والأشاعرة من جهة أخرى. لقد كانت هذه الاحتكاكات المذهبية تنطوي على توترات سياسية بين الخلافة العباسية و السلطنة السلجوقية.

وقد وقعت حادثة أخرى في سنة 475 هـ في بغداد بين الحنابلة و الاشاعرة. وقد كان نظام الملك يرسل الوعاظ بإذنه للتكلم في بغداد بمذهب الأشعري، فيعقدون المجالس في المدرسة النظامية وربما في بعض الجوامع [5] .

أما طبيعة العلاقة بين الحنابلة والأشاعرة فيصفها الشريف أبو جعفر ابن ابي موسى الهاشمي العباسّي، عبد الخالق بن عيسى (ت 470 هـ) أمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة [6] ، حيث قال عندما عقد مجلس للصلح بين الحنابلة والأشاعرة في بغداد سنة469هـ، ما نصه:"أي صلح بيننا؟ انما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا، أو قسمة ميراث، أو تنازع في ملك. فأما هؤلاء القوم فهم يزعمون اننا كفار، ونحن نزعم ان من لا يعتقد ما نعتقده كافر، فأي صلح بيننا وهذا الامام مفزع المسلمين، وقد كان جده القائم والقادر أخرجا اعتقادهما للناس، وقرئ عليهم في دواوينهم، وحمله عنهما الخراسانيون والحجيج إلى اطراف الأرض، ونحن على اعتقادهما" [7] .

بهذه الحدّة وصف الشريف ابو جعفر مدى التوتر في العلاقة بين الحنابلة و الأشاعرة آنذاك.

إن حدّة موقف الحنابلة من مذهب الأشعري لا تنسحب بنفس القدر على موقفهم من التصوف، فالخليفة القادر بالله (ت 422) ، صاحب الاعتقاد القادري الذي ذكره الشريف ابو جعفر في كلامة آنفًا، كان"يغشى مجالس ابن القزويني"

(ت 442هـ) في زي رجل صوفي" [8] ، وكذلك كان الخليفة القائم بأمر الله (ت 467 هـ) ابن القادر بالله"لمحبته ارباب الدين و انخراطه في سلك المتعبدين يغيّر زيه ويحضر مجلس الشيخ ابي الحسن القزويني بالحربية ويكثر غشيانه على تلك الحال" [9] . أضف إلى ذلك ان بغداد عرفت في القرن"

(1) انظر: ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 254.

(2) ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1، ص 57.

(3) المصدر نفسه، ج 1، ص 66.

(4) انظر التفصيلات في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 305 - 307. وفي المقابل انظر: ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 413. وانظر: ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1،ص 19 - 22.

(5) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 3 - 4.

(6) ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1، ص 15 - 16.

(7) ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 306 - 307.

(8) ابن الكازروني، ظهير الدين ابو الحسن علي بن محمد البغدادي، (ت 697 هـ) ، مختصر التاريخ من اول الزمان إلى منتهى دولة بني العباس، (حققه وعلق عليه الدكتور مصطفى جواد) ، وزارة الاعلام، بغداد، 1970. ص 199.

(9) المصدر نفسه، ص 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت