الصفحة 116 من 287

الخامس الهجري بعض الصوفية البغداديين الذين اشتهروا بالفقه و الحديث، مثل المفتي الصوفي ابي حفص عمر بن عبد السلام [1] (ت 426 هـ) ، ومثل الشريف ابي نصر الهاشمي العباسي الزينبي، محمد بن محمد بن علي (ت 479 هـ) مسند العراق في وقته، الذي مال إلى التصوف في حداثته وانقطع إلى رباط شيخ الشيوخ ابي سعد [2] . وكان الوزير ابو شجاع، محمد بن حسين (ت 488 هـ) يُوطئ العوام والصالحين مجلسه، ويدين بحب الصلحاء والزهاد [3] .

ويبدو أنّ هناك عوامل أخرى ساهمت في اشتداد حدة موقف الحنابلة تجاه الأشاعرة، فقد شعر الحنابلة بالغيظ جراء انتقال بعض اصحاب المذاهب عن مذاهبهم بحيث ان الواحد منهم"توثق بمذهب الأشعري و الشافعي طمعًا في العز و الجرايات"وذلك على اثر تعظيم الأشعرية في عهد الوزير السلجوقي نظام الملك [4] .

وبالرغم من صدق نظام الملك في محبته للفقهاء والصوفية، إلا ان توجهه الأشعري الشافعي الصوفي كان سياسة دولة حيث يذكر انه قال للسلطان السلجوقي ألب أرسلان:"قد جعلت لك من خراسان جندًا ينصرونك ولا يخذلونك، ويرمون دونك بسهام لا تخطئ، وهم العلماء و الزهاد، فقد جعلتهم بالاحسان إليهم من أعظم أعوانك" [5] . إن مثل هذا العمل وغيره من بناء المدارس والمساجد و الرباطات وتحصين العمارات بالأوقاف الدارة و تزيين المدارس بخزائن الكتب ثم اسكان البقاع طلبة العلم والمدرسين، إن مثل هذه الاعمال تعد"من الأسباب الموثقة للملك" [6] .

ونظرًا لقيام نظام الملك بتوطيد المملكة لملكشاه اثر وفاة والده السلطان الب ارسلان، فقد صار الأمر كله لنظام الملك وليس للسلطان إلا التخت والصيد واقام على هذا عشرين سنة [7] . وقد كان شديد الميل إلى الصوفية مع إيمانه بما كانوا يتوسلون به إليه من فنون الرؤيا، فيقبلهم على ذلك ويقربهم و ينجح حوائجهم ويقضي ديونهم ويدر عليهم الإدرارات والمرسومات [8] . وكان إذا دخل عليه الاستاذ ابو القاسم القشيري وإمام الحرمين ابو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده كما هو، وإذا دخل عليه ابو علي الفارمذي يقوم إليه ويجلسه في مكانه ويجلس بين يديه، ولما سئل عن ذلك اجاب بما يفيد ان الجويني والقشيري يطرونه بما ليس فيه فيزيده كلامهما تيهًا في نفسه، اما الفارمذي فيذكر له عيوب نفسه وماهو فيه من الظلم فتنكسر نفسه ويرجع عن كثير مما هو فيه [9] .

وسئل نظام الملك عن كثرة إنعامه على الصوفية فقال:"أتاني صوفي وانا في خدمة بعض الأمراء فوعظني وقال: إخدم من تنفعك خدمته ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غدًا. فلم اعلم معنى قوله، فشرب ذلك الأمير من الغد [إلى الليل] وكانت له كلاب كالسباع تفترس الغرباء بالليل، فغلبه السكر فخرج وحده فلم تعرفه الكلاب فمزقته، فعلمت ان الرجل كوشف بذلك، فأنا أخدم الصوفية لعلي اظفر بمثل ذلك" [10] . وقد كان نظام الملك ينفق كل سنة على ارباب المدارس و الرباطات الصوفية ثلاثمائة ألف دينار [11] .

وفي بغداد، كان لشيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي النيسابوري، احمد بن محمد

(ت 479هـ) منزلة كبيرة عند السلطان [12] ، وكانت بينه وبين نظام الملك مودة اكيدة [13] .

كما كانت السلطنة السلجوقية تتولى تعيين اساتذة المدرسة النظامية ببغداد، ومن اشهر اساتذتها الذين كان لهم أثر كبير في تطور التصوف حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت 505 هـ) الذي تولى التدريس بنظامية بغداد سنة 484 هـ، ولقبه نظام الملك بزين الدين شرف الأئمة [14] ، وبقي على ذلك اربع سنين أفضت به في نهايتها إلى ان ترك تدريس الفقه و تزهد وخرج من بغداد وألف بعدها اشهر مؤلفاته كتاب احياء علوم الدين ثم

(1) انظر: ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 5، ص 65 (الرقم 1196) .

(2) انظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 32، ص 280.

(3) انظر: ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 91، 93.

(4) انظر: المصدر نفسه، ج 9،ص 93.

(5) ابن الاثير، محمد بن محمد بن عبد الواحد الشيباني، (ت 630 هـ) . الكامل في التاريخ، ط2، 10ج، (تحقيق ابي الفداء عبد الله القاضي) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995. ج 8،ص 367.

(6) ابن ابي جرادة، بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 5، ص 2483.

(7) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 2، ص 128.

(8) ابن ابي جرادة، بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 5، ص 2487.

(9) ابن أبي جرادة، بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 5، ص 2489.

(10) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 2، ص 128 - 129.

(11) المصدر نفسه، ج 5، ص 287.

(12) ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 450.

(13) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 32، ص 259.

(14) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت