الصفحة 117 من 287

رجع إلى بغداد ونزل في رباط"فكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه منه" [1] .

لقد شهد القرن الخامس الهجري تصنيف عدد من أبرز كتب التصوف التي لا تزال تتداول إلى يومنا هذا. فقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) ، عددًا كبيرًا من الكتب كان من ابرزها كتاب طبقات الصوفية، وكتاب حقائق التفسير، ورسالة الملامتية، و آداب الصحبة وحسن العشرة، وكتاب غلطات الصوفية، وكتاب الفتوة. وصنف ابو نعيم الاصبهاني (ت 430 هـ) كتاب حلية الأولياء، وغيره. أما أبو القاسم القشيري (ت 465 هـ) فقد صنف كتاب الرسالة في رجال الطريقة وهو من اشهر كتب التصوف واكثرها انتشارًا، وكتاب التفسير الكبير وله مصنفات اخرى اقل شهرة مثل آداب الصوفية، ولطائف الاشارات، وكتاب المناجاة، وكتاب نحو القلوب الكبير، ونحو القلب الصغير، وغيرها [2] . وقد تزامن هؤلاء الرجال الثلاثة وأخذ بعضهم عن بعض. وقد أفاد أبو حامد الغزالي ممن كتب قبله من حيث انهم مهدوا لكتابه الاحياء، وبخاصة التوجهات التي تحملها رسالة القشيري والمتمثلة في تأصيل التصوف والابانة عن أصوله الشرعية الإسلامية التي انبثق عنها وذلك في زمن تعدى فيه بعض الصوفية على بعض ثوابت الشرع الإسلامي حتى كادت الناس تظن ان التصوف ليس إلا ما يظهره أؤلئك الأدعياء. ولما صُنف كتاب احياء علوم الدين كان بمثابة تلقيح لعلوم الشريعة بعلوم التصوف من جهة، ومن جهة أخرى كان بمثابة تنقيح و إعادة تقييد للتصوف باحكام الكتاب والسنة. وعلى اثر ذلك أحيا الغزالي في الأمة نهج تصوف الفقهاء حتى كاد ان يكون اكثر صوفية القرن السادس الهجري في بغداد ذوي خلفيات فقهية. وكان من نتائج هذا التوجه أن خفت حدة موقف الفقهاء المشكك تجاه الصوفية، لا بل اعيد الاعتبار للتصوف من حيث هو علم اصيل من علوم الدين.

وإضافة إلى كتب الصوفية آنفة الذكر، صنف بعض الفقهاء، بما فيهم الفقهاء الحنابلة، كتبًا في التصوف مما يؤكد التوجه العام الذي شهده القرن الخامس والمتمثل في تصوف الفقهاء، ومن هؤلاء الامام عبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت 429هـ) كان عالمًا في الفقه واصوله والفرائض والحساب وعلم الكلام، وكان يدرس في سبعة عشر فنًا، وقد صنف كتابًا في معنى لفظتي التصوف والصوفي جمع فيه أقوال الصوفية ألف قول مرتبة على حروف المعجم [3] . وصنف الامام محمد بن عبد الملك ابو خلف الطبري السلمي (ت 470 هـ) الفقيه الشافعي الصوفي كتاب العارفين وأنس المشتاقين في التصوف وقد حاكى به رسالة القشيري [4] . ومن فقهاء الحنابلة المتصوفين شيخ الاسلام ابو اسماعيل الانصاري الهروي عبد الله بن محمد (ت 481هـ) الذي صنف كتاب منازل السائرين في التصوف [5] . وصنف ابو سعد عبد الملك بن أبي عثمان محمد الخركوشي الشافعي (ت 406 هـ) في سير العباد والزهاد [6] كتاب تهذيب الأسرار في التصوف، وغيره [7] . كما صنف الفقيه الحنبلي ابو الوفاء بن عقيل في حداثته جزءًا في مدح الحلاج [8] ، وقد مر الكلام على الشدة التي اصابته من الحنابلة جراء هذا المصنف، وجراء غيره من الأسباب.

ومن الظواهر التي استمرت إلى القرن الخامس ظاهرة رفد التصوف برجال تائبين من العيارين و الشطار وقطاع الطرق، فقد كانت توبة رجال من هذه الخلفية الاجتماعية لها أثر في البيئة التي جاءوا منها، كما كان للتصوف أثر واضح في تخفيف حدة التوترات الاجتماعية الناتجة عن وجود هذه الفئة الاجتماعية. فقد كان ابو عثمان بن ابي سعيد الصوفي، سعيد بن احمد المعروف بالعيار (ت 452 أو 457 هـ) في ابتدائه يسلك مسلك الشطار، ثم رجع إلى هذه الطريقة [9] .وممن كان من الشطار الذين يقطعون الطريق في البطائح في بداياتهم الشيخ

ابو بكر بن هوار البطائحي [10] ، وتلميذه الشيخ ابو محمد الشنبكي [11] والهواريون و الشنابكة قبيلتان من الأكراد، وقد تاب الشنبكي على يد ابن هوار، وهكذا كان فعل من يتوب من الشطار ويسلك طريق التصوف، وعلى هذا النسق كان تأثيرهم في البيئة الاجتماعية التي خرجوا منها، حيث رجعوا

(1) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 87.

(2) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 5، ص 159.

(3) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 5، ص 140،137،136.

(4) المصدر نفسه، ج 4، ص 179 - 180.

(5) الصفدي، الوافي بالوفيات، ج17، ص307. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1،

ص 51.

(6) السمعاني، الانساب، ج 2،ص 351.

(7) سزكين، تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، ج 4، ص 177.

(8) ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 254.

(9) ابن الدمياطي، ابو الحسين احمد بن أيبك بن عبد الله الحسامي، (ت 749 هـ) ، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد للحافظ ابن النجار البغدادي، ط 1، 1ج،1 م، (دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا) ، منشور مع كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي في المجلد رقم 21، دار الكتب العلمية، بيروت،1997. ص 89 - 90 (الرقم 81) .

(10) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 283. الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 186.

(11) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 290. الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت