إليها بصفتهم مصلحين اجتماعيين ودعاة إلى التوبة، فكان التصوف بمثابة الآلة الاجتماعية التي تعيد سبك توجهاتهم وقيمهم ومسلكياتهم ضمن الاطار العام للمجتمع، و كان أثرهم اعمق من أثر غيرهم نظرًا لدرايتهم بالبيئة التي يعملون فيها.
شهد التصوف البغدادي في القرن الخامس الهجري بداية تطور استمر إلى مابعد القرن السادس، وتمثل ذلك في ازدهار حركة إنشاء الربط الصوفية. ففي هذا القرن عرفت بغداد اربعة ربط كانت اشهر من غيرها. ويلاحظ ان ازدهار هذه الحركة ترافق مع دخول الهيمنة السلجوقية على بغداد. كما يلاحظ ان لشيوخ الربط نوعًا من الصلة بالمؤسسة الرسمية، وقد تمثلت هذه الصلة اكثر ما تمثلت بلقب شيخ الشيوخ الذي كان يتولى حينذاك مشيخة رباط ابي سعد. وهذه الربط الأربعة هي: رباط الزوزني وهو اقدمها، ورباط شيخ الشيوخ ابي سعد، ورباط عتاب، ورباط البسطامي. وقد لعبت هذه الربط دورًا اجتماعيًا وعلميًا ودينيًا، وينتظر ان يلعب بعض شيوخ الربط دورًا رسميًا في الحياة العامة ببغداد.
وربما كان للمؤسسة الرسمية غايات من وراء دعم إنشاء الربط الصوفية، ذلك ان التصوف بما هو حركة اجتماعية ذات صلة شعبية لا يمكن السيطرة عليه، ولا على أي حركة شعبية، إلا عبر التنظيم، فبالتنظيم تتم السيطرة و التوجيه. وكانت الربط تمثل من جانب ما تنظيمًا للجانب الشعبي من التصوف. ومع ذلك فقد بقي كثير من الصوفية خارج هذه الربط. كما لم تكن كل الربط ذات صلة رسمية، فقد كان افراد من المشايخ ينشئون ربطًا لإيواء تلاميذهم و خدمتهم. وكان المجتمع البغدادي يعرف لهؤلاء الشيوخ ولتلك الربط حقها من اموال الصدقات و الزكوات و الأوقاف، فكان يُنفق على نزلائها من الفقراء وطلبة العلم و الضيوف عابري السبيل على وفق ما تقتضيه مصارف الزكاة أو شروط الوقف.
ومن الشواهد التي تؤكد قيام المؤسسة الرسمية بفرض درجة من السيطرة على حركة ذات صلة شعبية كالتصوف، ما ألمح إليه الخطيب البغدادي من مخاطر التفاف العامة حول بعض الوعاظ و الزهاد مثل ابي عبد الله محمد بن احمد الواعظ الشيرازي (ت 439 هـ) الذي قدم بغداد و تكلم على الناس بلسان الوعظ و اشار إلى طريقة الزهد ولبس المرقعة واظهر عزوف النفس عن طلب الدنيا فافتتن الناس به لما رأوا من حسن طريقته، وعمر مسجدًا كان خرابًا بالشونيزية فسكنه وسكن فيه معه جماعة من الفقراء، ثم انه قبل الصلات التي