الحصري سنة 371 هـ، اي ان عمر الزوزني عند وفاة الحصري كان قريبا من ست سنوات، فهل كان هنالك اعتبار لصحبة من هو في هذا السن؟
على أية حال، تفيد المصادر ان رباط الزوزني كان موجودًا قبل سنة 412هـ، حيث يذكر ان أبا سعد الماليني الصوفي المتوفى في تلك السنة قد ورد بغداد في احدى زياراته ونزل في رباط الصوفية الذي عند جامع المنصور [1] ، وهذا هو رباط الزوزني حسب وصف ابن الجوزي. أما إذا كان الرباط قد بني اصلًا لابي الحسن الحصري، فإن الرباط يعود إلى فترة أبكر، إذ ان الحصري توفي سنة 371هـ. وبناء على ما تقدم، يمكن اعتبار رباط الزوزني اقدم ربط الصوفية في بغداد، وعلى ذلك يؤكد ماسينيون عندما يعتبر الحصري مؤسسًا لأول رباط حقيقي للمتصوفة في بغداد سنة 360هـ [2] . أما سبب بناء الرباط فإنه لما كبرت سن
ابي الحسن الحصري صعب عليه المجيء إلى الجامع فبنى له الرباط المقابل لجامع
المنصور [3] .
أما رباط شيخ الشيوخ، ويسمى ايضًا رباط ابي سعد، فينسب إلى أبي سعد احمد بن محمد بن دوست النيسابوري الصوفي [4] (ت 477 أو 479هـ) . ويبدو ان هنالك اضطرابًا في رواية ابن الجوزي حول سنة بناء الرباط، فهو يذكر ان رباط ابي سعد الصوفي احرقته العوام في أحداث سنة 450هـ في زمن البساسيري [5] (ت 451هـ) ، ثم يذكر في وفيات سنة 477هـ مايفيد بأن ابا سعد"كتب إلى القائم بأمر الله يلتمس منه خربة يبني فيها رباطًا، وكانت له خدمة في زمن البساسيري، فأذن له" [6] . ويستنتج من الرواية الأولى ان الرباط كان قائمًا قبل سنة 450هـ، أما الرواية الثانية فتفيد ان الرباط بني بعد البساسيري المتوفى سنة 451هـ. ثم بعد ذلك يزداد الارتباك برواية ابن الاثير الذي يجعل عميد العراق، الذي قتله البساسيري، هو باني رباط شيخ الشيوخ [7] .
وقد تتلمذ ابو سعد لأبي سعيد بن ابي الخير شيخ الصوفية في خرسان، وكان يجمع جماعة من الفقراء ويخرج معهم ويدور في قبائل العرب فينتقل من حلة إلى حلة. ثم بعد ذلك ذهب إلى نيسابور فباع جميع ما يملك وقدم بغداد وخصص له القائم بأمر الله موضعًا ليبني فيه الرباط وذلك بعد التماس منه، فبنى الرباط وجمع الأصحاب. وفي سنة 466 هـ هدم الرباط بسبب الغرق، فأعاده أجود مما كان. وعند وفاته أوصى ان يستخلف ابنه، فاستخلف وكان سنه آنذاك اثنتي عشرة سنة.
وقد سن أبو سعد للصوفية اكل خبز الخشكار بدلًا من الخبز النقي [8] .ويذكر انه كانت لأبي سعد منزلة كبيرة عند السلطان، كما كان له صلة بالخليفة، ومما يشير إلى ذلك قيامه بعمارة تربة معروف الكرخي بعدما احترقت سنة 459 هـ وذلك بأمر من الخليفة [9] ، وهذا يوضح ان لقب شيخ الشيوخ أنما هو لقب رسمي وليس لقبًا شعبيًا، ويبدو انه لقب مستحدث في الخلافة العباسية، وقد يكون استحداثه ترافق مع دخول السلاجقة بغداد سنة 447 هـ، أو بعيدها، وذلك يدل على أن التصوف قد صار له مكانة رسمية في بغداد منذ ذلك الحين.
وقد جرت العادة على ان يستضيف رباط شيخ الشيوخ أبي سعد رجالًا من كبار الفقهاء والصوفية القادمين إلى بغداد على وجه الزيارة مثل ابي نصر عبد الرحيم ابن الاستاذ أبي القاسم القشيري الذي قدم بغداد سنة 469 هـ وجلس للوعظ في المدرسة النظامية ورباط شيخ الشيوخ والذي كان محور فتنة جرت له مع الحنابلة بسبب تكلمه على مذهب الاشعري، وقد كان من المتعصبين له يومها شيخ الشيوخ ابو سعد [10] ، وقد ورد ذكر هذه الفتنة آنفًا.
وكان من سكان رباط شيخ الشيوخ المستقرين فيه احمد بن علي بن الحسين ابو بكر الطريثيثي المعروف بابن زهراء المقرئ الصوفي (ت 497هـ) ، وكان قد تتلمذ في التصوف إلى ابي سعيد بن ابي الخير شيخ الصوفية
(1) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 5، ص 135.
(2) ماسينيون، الآم الحلاج، ج 1، ص 113.
(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج 7، ص 110 - 111.
(4) انظر ترجمته في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 11. ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 450. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 32، ص 258 - 260. ابن كثير، البداية و النهاية، ج 12، ص 155.
(5) ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 194.
(6) المصدر نفسه، ج 9، ص 11.
(7) ابن الاثير، المنتظم، ج 8، ص 344.
(8) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 11.
(9) ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 450.
(10) ابن الأثير، الكامل، ج 8، ص 413. و انظر أيضًا: ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 3،ص 208.