الصفحة 121 من 287

بنيسابور، فهو اذن وشيخ الشيوخ ابو سعد قد تتلمذا لنفس الاستاذ في التصوف، وكان الطريثيثي يؤذن كل ليلة على سطح رباط ابي سعد [1] وكان محدثًا مشهورًا [2] .

إضافة إلى ذلك، كان رباط ابي سعد محلًا ينقطع فيه بعض البغداديين للتزهد مثل الشريف ابي نصر الهاشمي العباسي الزينبي محمد بن محمد بن علي بن الحسن

(ت 479هـ) مسند العراق في زمانه [3] .

لقد كان هذا الرباط، وغيره من الربط، مقصدًا لطلاب العلم عامة يلتقون فيه بالحفاظ والمحدثين و المقرئين والفقهاء ورجال التصوف القادمين من اصقاع بلاد الاسلام ويتلقون فيه العلم عنهم ويستمعون إلى مجالس الوعظ التي كانت تعقد فيه. وهكذا، كانت الربط تسهم في تنشيط الحركة العلمية والثقافية في بغداد، كما كانت محلًا للتواصل بين علماء الأمة وصوفيتها. وممن نزل رباط ابي سعد: ابو الحسين أردشير بن منصور العبادي، وكان يجلس في الرباط وفي النظامية، وكان يحاضره أبو حامد الغزالي، وكانت له كرامات شهدها الناس وانتفعوا بها، فترك اكثر الناس معايشهم، وحلق اكثر الصبيان شعورهم، وأووا إلى المساجد و الجوامع، وتوفروا على الجماعات، و أريقت الأنبذة و الخمور، وكُسرت الآت الملاهي. وقد تكلم هذا الصوفي في الربا و بيع القراضة بالصحيح، فمُنع من الجلوس، و أمر بالخروج من البلد فخرج [4] .

أما رباط البسطامي، فينسب إلى أبي الحسن علي بن أحمد البسطامي الصوفي [5] (ت 493هـ) ،"وكان يسكن برباط ابي الغنائم بن المحلبان على شاطئ دجلة بالجانب الغربي، وكان يتولى خدمة الصوفية به، فعرف الموضع به"، مع أن باني الرباط هو ابن المحلبان [6] ، ولذلك كان الرباط يسمى باسم ابن المحلبان قبل ان ينسب إلى البسطامي. ولم يكن البسطامي بغدادي الأصل و إن كان بغدادي المنزل، كغيره من شيوخ الربط المذكورة آنفًا. ومما يؤخذ على البسطامي وهو شيخ رباط انه بالرغم من لبسه الصوف شتاءً وصيفًا، وكان يُحترم ويُقصد، إلاّ انه لما مات خلف مالًا مدفونًا يزيد على أربعة الآف دينار، فكان ذلك مدعاة لبعض المصادر لمقارنته بالشيخ عبد الرزاق الصوفي الغزنوي (ت 493هـ) شيخ رباط عتاب والذي مات عن مائة سنة دون ان يُخلّف كفنًا"فتعجب الناس من تفاوت حاليهما وكلاهما شيخ رباط" [7] .

أما رباط عتاب، فكان يقع في الجانب الغربي [8] ،وكان شيخه، على ماذكر آنفًا، عبد الرزاق الصوفي الغزنوي (ت 493هـ) ، وقد حج سنين على التجريد، وتوفي وقد قارب مائة سنة [9] . وقد كان رباط عتاب موجودًا سنة 466هـ، وقد نزل فيه شيخ الشيوخ ابو سعد قبل ان يعيد بناء رباطه الذي هدم في الغرق [10] .

وينتظر ان يتزايد عدد الربط الصوفية في القرن السادس في بغداد على نحو غير مسبوق، منها ما كان بدعم مباشر من الخليفة ومنها ماكان بدعم من السلطان، ومنها ما كان بمبادرات فردية. ولكن الاتجاه نحو تصوف الفقهاء تجلى في القرن السادس الهجري في بغداد بظهور نمط جديد من الربط الصوفية المنشأة بجانبها مدارس تدرس علوم الشريعة بحيث ان استاذية المدرسة ومشيخة الرباط يجتمعان في رجل واحد، كالشيخ عبد القادر الجيلي والشيخ عبد القاهر السهروردي. وهكذا، بدأت فترة من التاريخ شهدت تلازم التصوف مع الفقه على نحو مؤسسي.

أما شيوخ التصوف البغدادي الذين كان لهم في اواخر القرن الخامس أثر واضح في تطور التصوف وانتشاره واستمراره عبر تلاميذهم أو رباطاتهم أو مدارسهم أو مصنفاتهم فقد كان أشهرهمً حجة الإسلام أبو حامد الغزالي [11] ، محمد بن محمد بن محمد الطوسي (ت 505 هـ) ، وبالرغم من أنه لم يكن بغدادي

(1) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 138 - 139.

(2) ابن الاثير، الكامل، ج 9، ص 76.

(3) المصدر نفسه، ج 9، ص 33 - 34. و انظر ايضًا: الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 32، ص 280.

(4) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9،ص 75 - 76. ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 490 - 491. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج8، ق 1، ص 5 - 7.

(5) انظر ترجمته في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 116. ابن الاثير، الكامل، ج 9، ص 30. ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 3، ص 130 - 132.

(6) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 3، ص 130 - 132.

(7) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 116. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 12، ص 195.

(8) ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 258.

(9) المصدر نفسه، ج 9، ص 116.

(10) المصدر نفسه، المنتظم، ج 9، ص 11.

(11) انظر ترجمته في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 168 - 170. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 49. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 39 - 40. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 4، ص 216 - 219. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 191 (ترجمة مطولة) . الاسنوي، طبقات الشافعية، ج 2، ص 111. ابن كثير، البداية و النهاية، ج 12، ص 214. الجامي، نفحات الأنس، ج 2، ص 516. المناوي، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 704، (الرقم 445) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت