وقبل أن ينصرف الغزالي نحو التصوف كان يحضر مجلسه في نظامية بغداد ثلاثمائة مدرس ومائة من أمراء بغداد [1] . إن شهرة"الغزالي الفقية"أسهمت و إلى درجة كبيرة في جعل"الغزالي المتصوف"قدوة لأعداد كبيرة من فقهاء عصره من حيث اقتفاؤهم أثره في التفقه ثم التصوف، حتى صار ذلك تيارًا ملحوظًا في القرن السادس الهجري. وهذا لايعني ان الفقهاء قبل ذلك لم يكونوا يتوجهون نحو التصوف، و إنما يعني ان الغزالي أحيا سُنّةَ كانت قد خملت، فقد كان معظم الصوفية القدماء من أهل الفقه و الحديث و الحفظ. وقد يكون دور الغزالي في إحياء هذا الاتجاه لدى الفقهاء و الصوفية على السواء، هو أعمق الآثار و أوسعها انتشارًا وأطولها عمرًا من بين الآثار التي أحدثها الغزالي في المجتمع الإسلامي عامة، يدل على ذلك أن كتابه إحياء علوم الدين كان أول الكتب التي جمعت بين علوم الشرع و علم القلوب والتصوف فأعطى بذلك معنى مُبهجًا، ومفهومًا لدى العامة و الخاصة، لعلوم الشرع؛ وفي نفس الوقت أعاد علوم التصوف إلى رباطها القديم مع الشريعة بعد أن كادت بعض الفئات التي تدعي التصوف أن تحلّ ذلك الرباط على نحو ما ذكر في الفصل السابق من هذا البحث. و بما أن الغزالي فقيه أصلًا ومعترف به من قبل فئات علماء الأمة و من قبل السلطة الحاكمة على السواء، فقد صار التلازم الذي احياه، ولا أقول أحدثه، بين علوم الشريعة وعلم التصوف تلازمًا مؤسسيًا تمثل لاحقًا في ظاهرة بناء الرباط بجانب المدرسة في المجتمعات الإسلامية. وربما كان هو (أي الغزالي) أول من بنى رباطًا بجانب مدرسة بحيث يصبح المريد التلميذ يتأدب و يتفقه على شيخ استاذٍ (شيخ في التصوف استاذ في الشريعة) [2] . وبذلك يبدأ طورٌ جديد بحيث يصبح الفقيه صوفيًا و الصوفي فقيهًا، وهذا له أكبر الأثر في تهدئة حدّة الخلافات والخصومات بين الفئتين و التي كادت فيما مضى أن تؤدي إلى شروخ اجتماعية لا تلتئم. ورغم ذلك بقي هنالك رباطات و مدارس يُبنى كل منها على انفراد، ولكن علاقة الفقيه بالصوفي عادت إلى نصابها القديم المتثمل بالاحترام و الاعتراف المتبادل بدور كل منهما في مجاله. ومع هذا كله بقي هناك بعض الفقهاء الذين جمدوا على موقفهم السلبي تجاه التصوف إلا ان سلبيتهم كانت أخف حدّة من سلبية سابقيهم، بل ربما كان لموقفهم هذا معنىً ضروريًا تمثل في حراسة الحدود التي تتيحها صحة نقل ورواية الأحاديث، وكان أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 هـ) أقرب مثال على ذلك، حيث قال عن الغزالي:"وذكر في كتاب الإحياء من الأحاديث الموضوعة ومالا يصح غير قليل، وسبب ذلك قلّة معرفته بالنقل [3] . و قال:"وكان بعض الناس شغف بكتاب الإحياء فأعلمته بعيوبه، ثم كتبته له فأسقطت مايصلح إسقاطه، وزدت ما يصلح أن يُزاد" [4] . و بصرف النظر عن دوافع ابن الجوزي في نقد كتاب الإحياء، يبقى الدور الذي يقوم به أمثاله من الفقهاء دورًا ضروريًا"
و مكملًا لدور فقيه صوفي كالغزالي.
بعد ثلاث أو اربع سنوات [5] من تدريس الغزالي في نظامية بغداد ترك جميع ما كان عليه وسلك طريق الزهد و الانقطاع، و استناب أخاه أحمد في التدريس، فحج ثم قصد دمشق ثم بيت المقدس ثم مصر و أقام بالإسكندرية مدة [6] ، وقد أخذ في تصنيف كتاب الاحياء في القدس ثم أتمه بدمشق [7] ، وقد اعتكف الغزالي بالمنارة الغربية من الجامع الأموي بدمشق وكان يكثر الجلوس في احد زوايا المسجد حتى سميت بالغزالية نسبة إليه وكانت تعرف قبله بزاوية الشيخ نصر المقدسي [8] ،"و استمر الغزالي يجول في البلدان ويزور المشاهد ويطوف على الترب والمساجد و يأوي القفار و يروض نفسه ويجاهدها جهاد الأبرار ويكلفها مشاق العبادات بأنواع القرب و الطاعات إلى أن صار قطب الوجود .... ثم رجع إلى بغداد وعقد بها مجلس الوعظ وتكلم على لسان أهل الحقيقة وحدث بكتاب الإحياء" [9] ، ثم عاد إلى خراسان حيث درّس في نظامية نيسابور مدة ثم رجع إلى طوس و اتخذ إلى جانب داره مدرسة ورباطًا ووزع أوقاته على ما تقتضيه الوظائف فيهما إلى ان توفي [10] .ولما ترك التدريس و الرياسة لبس الخام والغليظ ولازم الصوم وكان
(1) المناوي، عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين بن يحيى، (ت 1031 هـ) . الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية أو طبقات المناوي الكبرى، ط (بدون) ، 4 ج، 2 م، (تحقيق الدكتور عبد الحميد صالح حمدان) ، المكتبة الازهرية للتراث، القاهرة، (د. ت.) . ج 1، ص 705.
(2) فيما يتصل ببناء المدرسة إلى جانب الرباط على يد الغزالي، انظر: ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 170. حيث قال ابن الجوزي عن الغزالي:"ثم عاد إلى وطنه واتخذ في جواره مدرسة ورباطًا للصوفية".
(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 169.
(4) المصدر نفسه، ج 9، ص 170.
(5) ذكر سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان (ج 8، ق 1،ص 40) أن الغزالي قدم الشام في سنة 487 هـ، بينما ذكر ابن خلكان في وفيات الاعيان (ج 4، ص 217) ان الغزالي ترك التدريس في النظامية وتزهد في سنة 488 هـ، وتابعه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (ج 6، ص 197) فقال انه دخل الشام سنة 489 هـ.
(6) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 4، ص217. و انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 49.
(7) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 169.
(8) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 197.
(9) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 199 - 200.
(10) المصدر نفسه، ج 6، ص 200. قدم السبكي في طبقاته ترجمة موسعة للغزالي جمع فيها اقوال من سبقه وناقشها، فلتنظر هناك.