535 هـ)، كان إمامًا ورعًا عاملًا بعلمه، حجة على المسلمين، صاحب احوال ومقامات، وله كلام على الخواطر، وإليه انتهت تربية المريدين بمرو، وقد"اجتمع عنده برباطه من الصلحاء والعلماء مالم يجتمع في غيره من البقاع"، ويذكر أبو سعد السمعاني انه سمع منه الحديث الكثير ونسخ عنه أكثر من عشرين جزءًا [1] ، وقد قدم إلى بغداد بعد سنة 460 هـ، فتفقه فيها على الشيخ أبي اسحاق الشيرازي"حتى برع في الفقه وعلم النظر"، وسمع الحديث في بغداد من عدد من شيوخها، ثم رجع إلى بلده، واشتغل بعلم المعاملة وتربية المريدين [2] .
وقدم إلى بغداد مرة أخرى سنة 506 هـ [3] فعقد مجلس الوعظ في المدرسة النظامية وكان إقبال الناس عليه عظيمًا [4] ، وقد ذكر ان الهمذاني كان من الأبدال [5] .
وتجمع المصادر على رواية مفادها أن رجلًا متفقهًا يُقال له ابن السقاء قام للهمذاني في أحد مجالسه فآذاه فقال له الهمذاني:"إجلس فإني اجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك تموت على غير دين الإسلام"، وبعد فترة قصيرة خرج ابن السقاء إلى بلاد الروم و تنصّر [6] . وقد رؤي ابن السقاء بالقسطنطينية مُلقىً على دكةٍ مريضًا فسئل - وكان قبل قارئًا للقرآن مجودًا في تلاوته - هل لا تزال تحفظ القرآن؟ فقال: ما أذكر منه إلا آية واحدة {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحِجر:2] والباقي أنسيته [7] .
يُفهم من إجماع المصادر على إيراد هذه الحكاية أنه كان هنالك موقف عامّ
(1) السمعاني، الأنساب، ج 1، ص 412.
(2) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 94 - 95.
(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج10، ص 95. وذكر ابن خلكان في الوفيات (ج 7، ص 78) ان الهمذاني قدم إلى بغداد سنة 515 هـ.
(4) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 7، ص 78.
(5) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق1، ص41.
(6) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 171. وهذه الرواية وردت في كل المصادر الواردة آنفًا التي ترجمت للهمذاني باستثناء السمعاني.
(7) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 7، ص 79. رواها ابن خلكان عن ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد في ترجمة يوسف الهمذاني.