مجمع عليه مفاده حفظ حرمة الصالحين والأبدال ذوي الدعوات المستجابة، والحذر من الوقوع في أعراضهم أوالتهوين من شأنهم، و لكن الرواية تفيد أيضًا أن هؤلاء الأولياء كانوا يختصون بعلم ربّاني يتجاوز علوم الفقهاء المعتادة. وقد أشار الشيخ عبد القادر الجيلي إلى قصة ابن السقاء ذاك ومسلك ابن عقيل في أذية الصالحين حيث قال:"أخو ابن عقيل كان صاحب قراءات وفقه. تنصّر ورؤي في بلاد الكفار وفي عنقه الصليب ...." [1] . إن في ورود مثل هذه الوقائع مايشير إلى نمط العلاقة بين بعض الفقهاء و المتصوفة والتي كانت لاتزال سارية في بعض الأوساط الفقهية في فترة متقدمة من القرن السادس.
وفي واقعة أخرى مايشير إلى ان الصوفية قد بدأوا يتجنبون الكلام على مذهب الأشعري لما فيه من إثارة للمنازعات بين أرباب المذاهب ولما فيه من استفزاز لفقهاء الحنابلة، فيُذكر أن ولدين من أولاد الإمام أبي بكر الشاشي قاما ليوسف الهمذاني وقالا له:"إن كنت تتكلم على مذهب الأشعري و إلا فلا تتكلم. ... فقال: إجلسا لا متعكما الله بشبابكما، فماتا ولم يبلغا الشيخوخة" [2] .
يذكر الشيخ عبد القادر الجيلي أن الشيخ يوسف الهمذاني كان يُقال له القطب وقد جاء إلى بغداد ونزل في رباط، فذهب إليه الشيخ عبد القادر، قال الجيلي:"فلما رآني قام وأجلسني وقربني، وذكر لي جميع احوالي، وحلّ لي جميع ماكان أشكل عليّ، ثم قال لي: ياعبد القادر تكلّم على الناس، فقلت: ياسيدي أنا رجل أعجمي إيش اتكلم على فصحاء؟ فقال لي: أنت الآن حفظت الفقه وأصول الفقه والخلاف والنحو واللغة وتفسير القرآن، الآن يصلح لك أن تتكلم على الناس. اصعد على الكرسي وتكلم على الناس فإني أرى فيك عرقًا وسيصير نخلة" [3] .
وفيما يتصل بظاهرة التفقه ثم الانقطاع للتصوف فقد كان الهمذاني مثالًا على أن الظاهرة كانت موجودة قبل أبي حامد الغزالي الذي شاع عنه أنه"وفق"بين الشرع و التصوف، وكأنهما أمران متعارضان، وربما كان منشأ
(1) الجيلاني، محي الدين أبو محمد عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد جنكي دوست، (ت 561 هـ) . الفتح الرباني والفيض الرحماني، ط 1، (ضبطه وقدم له الدكتور محمد الصباح) ، دار مكتبة الحياة، (دون بلد) ، 1995. ص 388.
(2) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 171. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1 ص 41. ... الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 36، ص 398.
(3) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 315 - 316.