سوء الفهم هذا ماورد على ألسنة بعض السالكين من الصوفية الفقهاء من أنهم اضطروا في أثناء سلكوهم إلى ترك كل مايقطعهم عن طريق التصوف بما في ذلك العلوم التي درسوها قبل دخولهم الطريق الصوفي، ولكن بعد أن أوصلهم سلوكهم إلى غايتهم ومقصدهم عادوا إلى تلك العلوم التي درسوها، ولكن بفهم جديد وبنيّة خالصة من الشوائب التي كانت تشوب مقاصدهم قبل سلوك الطريق. قال يوسف الهمذاني:"خلوت نوبًا عدّة، كل مرة أكثر من خمس سنين أو أقل، وماكان يخرج حب المناظرة و الاشتغال بالخلاف و المذاكرة من قلبي، وصرت إلى ماكنت أشتهي، فإن المناظرة كانت تقطع عليّ الطريق" [1] .
وقد كان ليوسف الهمذاني موقف تجاه السلاطين حيث أوصى أبا سعد السمعاني فقال:"أوصيك، لاتدخل على السلاطين، وأبصر ماتأكل لا يكون"
حرامًا" [2] ، وهذا شأن تباينت فيه مواقف بعض شيوخ الربط عن بقية الصوفية، وسيأتي ذكر ذلك في حينه."
ومن أواخر أشاعرة فقهاء الشافعية المتصوفين في بغداد الامام أبو الفتوح الإسفراييني، محمد بن الفضل بن محمد [3] (ت 538 هـ) الذي قدم إلى بغداد سنة 516 هـ، ونزل برباط شيخ الشيوخ ووعظ هناك وفي النظامية وفي غيرهما من المواضع، وكان يظهر مذهب الاشعري، فأقبل عليه فقهاء الشافعية، وحضر مجلسه الخليفة المسترشد بالله وسلم إليه رباط الأرجوانية والدة المقتدي بالله [4] .
ولما قتل المسترشد وولي الراشد الخلافة ثم خرج من بغداد خرج أبو الفتوح مع الراشد إلى الموصل، وبعد وفاة الراشد أذن الخليفة المقتفي لأبي الفتوح في العودة إلى بغداد فدخلها ثانية وتكلم على عادته، فسعى به الغزنوي الواعظ البرهان أبو الحسن علي بن الحسين إلى السلطان مسعود فأمر بإخراجه من بغداد رغم محاولة شيخ الشيوخ وأبي النجيب السهروردي وغيرهما أن يشفعوا له عند السلطان [5] . وبالرغم من أن السلطان كان مدفوعًا بضرورة إخماد الفتنة بين المذاهب في بغداد إلا انه عندما جاء إلى بغداد حضر معه فقيه
(1) الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 36، ص 399.
(2) المصدر نفسه، ج 36، ص 399.
(3) انظر ترجمته في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 7، 110. ابن الأثير، الكامل، ج 9، ص 218. ... سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8،ق 1، ص 183. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 36، ص 480. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 170. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 6،
ص 194.
(4) ابن الأثير، الكامل، ج 9، ص 218.
(5) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 110 - 111.