حنفي اسمه الحسين بن ابي بكر النيسابوري (ت 545 هـ) فكان يجلس في جامع المنصور وجامع القصر ويصرح بلعنه أبا الحسن الأشعري على المنابر [1] .
يبدو مما ذكر آنفًا أن الخلافة و السلطنة تبادلتا المواقع فيما يخص الموقف من مذهب الأشعري، فيلاحظ أن المسترشد والراشد و المقتفي كانوا يتعاطفون مع أبي الفتوح الاسفراييني الأشعري بينما يلاحظ أن السلطان مسعود كان على النقيض منهم ومعه في ذلك الوعاظ والفقهاء الذين قدموا معه إلى بغداد. ويبدو تبدل التحالف - إن جاز التعبير - جليًا إذا قورن بموقف السلطنة السلجوقية في زمن وزارة نظام الملك الذي كان ميله أشعريًا على نحو ظاهر. إن مثل هذا التبدل في المواقف يشير إلى تأثر العلاقة السياسية في الدولة بالعلاقات المذهبية، والعكس.
وهذا من شأنه أن يقوي الشعور بأن العلاقة المتوترة بين المؤسستين - مؤسسة الخلافة ومؤسسة السلطنة - كانت تدار عبر مؤسسات اجتماعية - عدا المؤسسات السياسية - كالمذاهب ومنابر الوعظ التي يدخل في ضمنها بعض الربط الصوفية في بغداد.
لقد كان أبو الفتوح"أوحد وقته في مذهب الأشعري، وله في التصوف قدم راسخ، وكلام دقيق فائق"، وله مصنفات في التصوف منها كتاب كشف الأسرار على لسان الأخيار، وكتاب بيان القلب، وكتاب بث الأسرار [2] .
وتجدر الإشارة إلى أن قدوم أبي الفتوح إلى بغداد للمرة الثانية كان سنة 521 هـ عندما منع من الجلوس للوعظ"فنصره قوم من الأكابر"فأعادوه إلى الجلوس، فزادت الفتن حتى اضطر ابو الفتوح إلى ان يلبس الحديد إذا ركب"ومعه السيوف المجذبة تحفظه". وفي هذه الاثناء ظهر الشيخ عبد القادر الجيلي"فجلس في الحلبة فتشبث به أهل السّنة وانتصروا بحسن اعتقاد الناس به" [3] .
لقد كان لظهور الشيخ الجيلي في هذا الوقت في بغداد أثر من ناحيتين على الأقل، الأولى أنه انتشل التصوف من براثن الخصومة بين الأشاعرة و الحنابلة، والثانية انه نظرًا لكونه فقيهًا حنبليًا فقد خفف من حدة مواقف بعض
(1) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8،ق 1،، ص 183 - 184.
(2) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 36، ص 481، نقلًا عن ابن النجار.
(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 7.