الصفحة 141 من 287

مذهبية أوغير مذهبية، وعندها يكون التصوف الحق بوتقة تنصهر فيها الخلافات والخصومات إيذانًا بظهور نموذج من نماذج الوحدة في الأمة، ويلاحظ أن أول ذكر"للطائفة"العدوية كان قد ورد عند ابن خلكان المتوفى سنة 681 هـ، بينما سماهم ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ باسم الاكراد الهكارية وأن الشيخ عدي هو شيخهم و إمامهم، ويستدّل من ذلك على أن تبدل النسبة من هكارية إلى عدوية جاء في الفترة الممتدة بين سنة 626 - 681 هـ، أي ما يقارب خمسًا وخمسين سنة، خلالها بدأت بذور ماصار يعرف لاحقًا باسم"الطرق"الصوفية، حيث يصبح قبر الولي مزارًا ومشهدًا مقصودًا، وحيث يتوارث أبناؤه أو أقرباؤه مكانته التي كانت له عند الناس.

وتؤكد سيرة حياة الشيخ عدي بن مسافر - كغيرها من سير الصالحين - الدور الاجتماعي الكبير الذي لعبه في حياة المجتمع آنذاك، حيث عمرت الجهة الموحشة التي كان يسكنها، وارتدع قطاع الطرق بسببه فسهل الطريق على المسافرين وأمن التجار على تجاراتهم، وتهذبت البيئة العامة المحيطة به، وانصلح بعض أرباب الحكم إما لصدقهم في محبته أو لخشيتهم من طاعة الناس له واقتدائهم به.

ومن مريدي الشيخ عدي بن مسافر، الشيخ قضيب البان الموصلي (ت 570 هـ) الذي كان يتردد في الرسائل بين الشيخ عبد القادر والشيخ عدي [1] .

ومن اصحاب الشيخ عدي أيضًا أبو الشكر البوازيجي حماد بن محمد بن جساس (ت 608 هـ) وكان من الصالحين أولي الكرامات، وبعد أن اشتهر ترك النسبة إلى عدي واصحابه"فصار بينه وبين اصحاب عدي مباينة عظيمة ومنافرات أدت كثيرًا إلى وقائع وفتن" [2] . وقد يكون سبب تلك المنافرة تجاوز أصحاب الشيخ عدي الحدّ في المغالاة فيه والتي ذكرت آنفًا.

وقد"كان من يتولى البوازيج يتأذى به لانقياد الناس العامة له"، ويذكر أنه كان في مبدأ عمره يقطع الطريق قبل أن يصحب الشيخ عدي [3] . وهذا يبين الحالة العجيبة التي تميز علاقة السلاطين بقطاع الطرق التائبين، فهم على الحالتين يثيرون حفيظة السلاطين: حال قطعهم الطريق وحال توبتهم. وعلى أية حال، كان السلاطين والأمراء يخشون من كل رجل يلتف حوله الناس، فبدر

(1) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 430.

(2) ابن ابي جرادة، بغية الطلب في تاريخ الحلب، ج 6، ص 2910 - 2911.

(3) ابن أبي جرادة، بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 6، ص 2910 - 2911.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت