شهرته ولم تفصل فيما جرى له في حال سلوكه وخلوته التي قضى فيها سنين طويلة.
وعلى كل حال فإن مايجده الصوفي في حال خلوته ومجاهدته هي من الأمور التي يندر أن يتكلم عنها الصوفية بالتفصيل، إلاّ أن الشيخ الجيلي ذكر بالتفصيل كثيرًا مما كان يجده في حال خلوته من مشقة وأمور عجيبة ووصفه لها يعطي صورة نموذجية لما يواجهه الصوفية في خلواتهم، فمن ذلك قوله:"كانت الأحوال تطرقني في بدايتي في السياحة، فأقاومها فأملكها فأغيب فيها عن وجودي، وأغدوا و أنا لا أدري، فإذا سُرّي عني من ذلك وجدت نفسي بعيدًا عن المكان الذي كنت فيه" [1] ، وقال:"أقمت في صحارى العراق وخرابه خمسًا وعشرين سنة مجردًا سائحًا لا أعرف الخلق ولا يعرفوني، ورافقني الخضر عليه السلام في أول دخولي إلى العراق وما كنت عرفته قبل، وشرط علي أن لا أخالفه وقال لي أقعد هنا فجلست في المكان الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني في كل سنة مرة ويقول مكانك حتى آتيك. وكانت الدنيا وزخارفها وشهواتها تأتيني في صور شتى عجيبة فيحميني الله تعالى من النظر إليها، وتأتيني الشياطين في صور شتى مزعجة ويقاتلونني فيقويني الله تعالى عليهم، وتبرز إليّ نفسي في صورة فتارة تتضرع إليّ فيما تريده وتارة تحاربني فينصرني الله عز وجل عليها، .... وأقمت زمانًا في خراب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات، ... واقمت في خراب الكرخ سنين ، ويأتيني رجل في كل سنة بجبة صوف البسها، ودخلت في ألف فن حتى أستريح من دنياكم، وماكنت أعرف إلا بالتخارس والبله والجنون، وكنت أمشي حافيًا في الشوك وغيره، وماهالني شيء إلا سلكته ولا غلبتني نفسي فيما تريده قط، ولا اعجبني شيء من زينة الدنيا قط .. [2] ، وقال أيضًا:"كنت في زمن مجاهدتي إذا اخذتني سنة اسمع قائلًا يقول: ياعبد القادر ما خلقتك للنوم، قد أحببناك ولم تك شيئًا فلا تغفل عنا وأنت شيء" [3] ."
ان الهدف من فترة الخلوة والانقطاع عند الصوفية هو قطع العلائق بغية الوصول إلى مايسميه الجيلي الوجود الثاني، ويذكر الجيلي ان العلائق التي قطعها في خلوته هي أشراك الدنيا، وأسباب الخلق المتصلة به، ثم كشف له عن باطنه فرأى قلبه مناطًا بعلائق كثيرة هي إرادته و اختياراته فقطعها وتخلص
(1) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 183.
(2) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 180 - 181.
(3) المصدر نفسه، ص 46.