قلبه منها، ثم كشف له عن نفسه فرأى"أدواها باقية وهواها حي وشيطانها مارد، فتوجه في ذلك، فبرئت أدواء النفس ومات الهوى وأسلم الشيطان وصار الأمر كله لله"، قال:"فبقيت وحدي والوجود كله من خلفي، وماوصلت إلى مطلوبي بعد"، ثم اجتذب إلى ابواب للدخول منها إلى مطلوبه: باب التوكل، وباب الشكر، وباب التسليم، وباب القرب، وباب المشاهدة، فوجد عندها زحمة حتى إذا اجتذب إلى باب الفقر فإذا هو خال فدخل منه فرأى فيه كل ما تركه، قال: وفتح لي منه الكنز الأكبر ... ومُحقت البقايا ونسخت الصفات وجاء الوجود الثاني" [1] ، ويفهم من معنى الوجود الثاني عند الصوفية انه حال البقاء بالله بعد الفناء فيه، وهو مغاير لحال البقاء بالنفس الذي هو حال الناس عامة."
وفي فترة سياحة الجيلي تلك أقام بأحد الأبراج إحدى عشر سنة حتى سُمي البرج لاحقًا ببرج الأعجمي لطول إقامته فيه [2] ، وقد مرّ عليه شيخه أبو سعد المخرمي وهو في هذا البرج ودعاه إلى باب الأزج ومضى، وآلى الجيلي على نفسه ألاّ يخرج من البرج إلا بأمر فجاءه الخضر وأمره بالخروج إلى أبي سعد فخرج ولبس الخرقة من أبي سعد ولازم الاشتغال عليه [3] .
وقد كان أول حج للجيلي قبل ان يشتهر في سنة 509 هـ عندما حج وحده على ماتسميه الصوفية قدم التجريد، وفي الطريق التقى بالشيخ عدي بن مسافر وكان على قدم التجريد أيضًا فتصاحبا في الطريق [4] ، ثم لم يحج الجيلي بعد أن اشتهر أمره إلاّ حجة واحدة [5] .
وإذا كان الجيلي قد تفقه ولبس الخرقة من يد الفقيه الصوفي أبي سعد المخرمي، فإنه لما صحب الشيخ الصوفي حماد الدباس - والذي لم يكن يُعدّ من الفقهاء - كان الجيلي لايزال يدرس الفقه، فكان إذا غاب عن الدباس لطلب العلم ثم عاد إليه يقول له الدباس:"أيش جاء بك إلينا؟ أنت فقيه، مُرّ إلى الفقهاء"، وكان أصحاب الدباس يقولون للجيلي إذا جاءهم:"أنت فقيه، أيش تعمل معنا؟" [6] ، وفي ذلك دلالة على نمط العلاقة بين أهل الفقه وأهل التصوف في بغداد في ذلك الوقت المبكر من القرن السادس، وقد كان للجيلي حاجة عند كلا
(1) المصدر نفسه، ص 182 - 183.
(2) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 127.
(3) المصدر نفسه، ص 127 - 128.
(4) المصدر نفسه، ص 119.
(5) المصدر نفسه، ص 218.
(6) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 39، ص 95.