الطرفين دون أن يشعر أنه ينتمي إلى طرف دون الآخر، وقد سعى الجيلي لاحقًا إلى تخفيف حدة تلك العلاقة عبر قيامه بإنشاء الرباط الصوفي إلى جانب المدرسة التي تدرس علوم الشرع في بغداد، وكان ذلك التلازم بين المؤسستين استهلال غير مسبوق في علاقة التصوف بالفقه في بغداد آنذاك.
ويبدو أن صحبة الجيلي للدباس قد أفضت به إلى أن يقصد فقيهًا صوفيًا جاء إلى بغداد يقال له القطب، وكان اسمه يوسف بن أيوب الهمذاني [1] ، و قد حلّ للجيلي جميع ما أشكل عليه من أحوال، وأمره أن يجلس للوعظ [2] ،فكان أول جلوس للشيخ عبد القادر على كرسي للوعظ سنة 521 هـ، وذلك بعد الفتنة التي حدثت بين الحنابلة والفقيه الصوفي الأشعري ابي الفتوح الاسفراييني [3] . وقد كان لظهور الجيلي في ذلك الوقت أهمية فيما يتصل بالعلاقة بين الاشاعرة والحنابلة أشار إليها ابن الجوزي حيث قال:"وظهر عبد القادر فجلس في الحلبة [4] فتشبث به أهل السنة وانتصروا بحسن اعتقاد الناس به" [5] ، ويفهم من ذلك ان ابن الجوزي قد غمز بالشيخ الجيلي حينما نسب انتصار اهل السنة إلى حسن اعتقاد الناس به فقط وليس إلى صلاح الرجل، كما يفهم منه أن الجيلي أنقذ التصوف من الاحتكاكات التي كانت قائمة بين الحنابلة والأشاعرة.
وقد جلس الجيلي في المدرسة التي كانت لشيخه أبي سعد المخرمي بباب الأزج ثم فوضت إليه،"وظهر له صيت بالزهد وكان له سمت وصمت" [6] .
وقد كان يحضر عنده الرجلان والثلاثة يسمعون كلامه ثم تسامع الناس به وازدحموا عليه، فلما ضاقت المدرسة على الناس حمل الكرسي إلى خارج البلد، فكان يجلس عند سور بغداد مستندًا إلى الرباط [7] ،"ويتوب عنده في"
(1) انظر ترجمته الواردة آنفًا في هذا الفصل.
(2) وردت وقائع اللقاء في ترجمة الشيخ يوسف بن ايوب الهمذاني الواردة آنفًا في هذا الفصل.
(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 7. الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 57. وانظر ترجمة الاسفرايبني الواردة آنفًا في هذا الفصل.
(4) الحلبة: محلة واسعة في شرقي بغداد عند باب الأزج، ياقوت، معجم البلدان، ج 2، ص 290.
(5) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 7. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1،، ص 124. ... الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 36، ص 10.
(6) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 219
(7) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 219. الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 194.