حينها عامة مشايخ العراق [1] ، وبينما يورد الشطنوفي الروايات الكثيرة التي يستشهد بها على أن هذا القول الصادر عن الجيلي إنما أمر به أمرًا إظهارًا لمقام القطب الغوث [2] - وهو مقام ندر أن يعلن عنه رجل على رؤوس الأشهاد - اعتبره الشهاب السهروردي (ت 632هـ) من قبيل الكلمات المؤذنة بالإعجاب التي تظهر من بعض كبار المشايخ بسبب انحصارهم في مضيق سكر الحال وعدم الخروج إلى فضاء الصحو في ابتداء أمرهم"، والقول إشارة إلى"تفرده في وقته" [3] ، ومع ذلك فقد فهم قول الجيلي على أنه تصريح بالقطبانية التي ظهر برهانها عليه [4] ."
وقد لقب الشيخ الجيلي بألقاب تدل على علو مكانته في التصوف، ويلاحظ في تلك المصادر التي ذكرت ذلك أنها مصادر متأخرة كتبت في فترة رواج الطرق الصوفية، ومن تلك الألقاب"ذو البيانين واللسانين، كريم الجدين والطرفين، صاحب البرهانين والسلطانين، إمام الفريقين والطريقين، ذو السراجين والمنهاجين [5] ، الباز الأشهب [6] . ويبدو أن التثنية الظاهرة في هذه الألقاب تشير إلى الجمع بين الفقه و التصوف، أو على ما تسميه الصوفية الشريعة والحقيقة."
وكان للشيخ عبد القادر دور في نقد السلطة فقد"كان يصدع بالحق على المنبر ويُنكر على الظلمة"، ولما ولي القاضي ابن المرخم [7] قال الجيلي على
(1) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 14 - 15. و انظر اسماء الحاضرين في ذلك المجلس، ص 13 - 14.
(2) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 5 - 39. وفيها تفصيل لمعنى القطب و الغوث عند الصوفية. ... وانظر ايضًا في تفسير معنى القطب الغوث نفس المصدر، ص 41، 43، 160، 329، 480، وغيرها. و انظر: اليافعي، ابو محمد عبد الله بن اسعد، (ت 768 هـ) . نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ الصوفية اصحاب المقامات العالية الملقب كفاية المعتقد ونكاية المنتقد، ط 2، (تحقيق وتصحيح ابراهيم عطوه عوض) ، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي واولاده، القاهرة، 1990. ... ص 292.
(3) السهروردي، عوارف المعارف، ص 143 - 144. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1، ص 295.
(4) المناوي، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 677.
(5) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 225. اليافعي، مرآة الجنان، ج 3، ص 267. التادفي، قلائد الجواهر، ص 9. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 6، ص 332.
(6) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 319. التادفي، قلائد الجواهر، ص 164 - 165.
(7) هو القاضي ابو الوفاء يحيى بن سعيد بن المظفر المعروف بابن المرخم (ت 555 هـ) ، أقضى القضاة، ولاه المقتفي قضاء بغداد سنة 542 هـ، وكان"بئس الحاكم يأخذ الرشا و يبطل الحقوق"وقد قبض عليه الخليفة المستنجد سنة 555 هـ واستصفيت أمواله وأعيد منها على الناس ما ادعوه عليه، انظر ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 125، ج 10، ص 194. ابن الكازروني، مختصر التاريخ، ص 231 - 232. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 37، ص 10، ج 38، ص 187. ويسميه سبط ابن الجوزي"القاضي ابن المجرم الظالم"، مرآة الزمان، ج 8،ق 1، ص 265.