القادر] التفويض و الموافقة مع التبرّي من الحول والقوة، و تجريد التوحيد، وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية بسر قائم في مقام العبودية لا بشيء ولا لشيء، وكانت عبوديته صحيحة مستمدة من لحظ كمال الربوبية، فهو عبد سما عن مصاحبة التفرقة (إلى مطالعة الجمع مع لزوم أحكام الشريعة) " [1] . وسئل الشيخ عدي بن مسافر (ت 557 هـ) عن طريق الشيخ عبد القادر فقال:"الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح واتحاد الباطن والظاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع و الضر والقرب والبعد" [2] . وقال الشيخ بقا بن بطو (ت 553 هـ) "طريق الشيخ محي الدين عبد القادر اتحاد القول و الفعل، واتحاد النفس والقلب، ومعانقة الاخلاص والتسليم، وتحكيم الكتاب والسّنة في كل خطوة ولحظة ونفس ووارد وحال، والثبوت مع الله عز وجل على ما قرّ عند الأجلاء المتثبتين" [3] ، وقال الشيخ أبو الحسن القرشي:"كانت طريقته التوحيد وصفًا وحكمًا وحالًا، وتحقيقه الشرع ظاهرًا وباطنًا، ووصفه: قلب فارغ وكون غائب ومشاهدة ربّ حاضر بسريرة لا تتجاذبها الشكوك، وسرٍ لا تتنازعه الأغيار وقلب لا يٌفرقه التفات، فجعل الملكوت الأكبر من ورائه، والملك الأعظم تحت قدمه" [4] ."
ويبدو أن للشيخ عبد القادر كلامًا عن طريقته في التصوف يظهر فيه معنىً لم يذكره معاصروه عند حديثهم عنه، وهذا المعنى يظهر في قوله"كل رجال الحق إذا وصلوا إلى القدر أمسكوا إلا أنا وصلت إليه وفُتح لي منه روزنة فأولجت فيها، ونازعت أقدار الحق بالحق للحق، فالرجل هو المنازع للقدر لا الموافق له" [5] ، وتوضح هذا المعنى حادثة وقعت لأحد تجار بغداد سنة 521 هـ، مفادها أن الشيخ حماد الدباس أخبر التاجر بأنه إذا خرج في تجارته إلى الشام فسوف يقتل ويسلب ماله، ولكن الجيلي أمر التاجر بالذهاب في تجارته على أن يذهب سالمًا ويعود سالمًا، ذلك أن الجيلي سأل الله في هذا التاجر أن يجعل ما قدره عليه من القتل والسلب منامًا لا يقظة، فرأى التاجر الأمر منامًا وتمت له تجارته ورجع إلى بغداد سالمًا وعُدّت هذه الحادثة من الكرامات التي شهد فيها الدباس للجيلي بعلو المقام [6] .
(1) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 178. الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 180.
(2) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 179. الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 180.
(3) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 179.
(4) المصدر نفسه، ص 180.
(5) المصدر نفسه، ص 51.
(6) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 64 - 65.