الصفحة 157 من 287

وطالما ان مجالس الوعظ في بغداد كانت من أبرز الملامح الاجتماعية و الدينية آنذاك فمن المناسب في هذا السياق ذكر بعض مواصفات مجلس الشيخ عبد القادر، ففي ذلك دلالة على مكانته عند اهل زمانه ومدى تأثيره فيهم، وهو أمر كان له دور في الرفع من شأن التصوف في تلك الفترة وازدياد إقبال الناس عليه حتى صار للصوفية حُرمة لا تنكر.

كان إذا صعد الشيخ عبد القادر الكرسي للوعظ أو الدرس لا يبصق أحد ولا يتمخط ولا يتنحنح ولا يتكلم ولا يقوم، هيبة له. وكان يُعد من كراماته أن أقصى الناس في المجلس يسمع صوته كما يسمعه ادناهم،"وكان يتكلم على خواطر أهل المجلس و يوجّههم بالكشف"، وكان إذا قام فوق الكرسي يقوم الناس لجلالته [1] . ... وكان إذا رأى أحدٌ من الحاضرين شيئًا من الكشف أمره الشيخ بالكتمان قائلًا له"أسكت فليس الخبر كالمعاينة"أو"أقعد فإن المجالس بالأمانة" [2] . وكان يقرأ في مجلسه مقرئان أخوان بغير ألحان ولكن قراءة مرتلة مجودة، وكان يموت في مجلسه الرجلان والثلاثة [كناية عن تأثرهم بالأحوال] ، وكان يكتب مايقول في مجلسه أربعمائة محبرة عالمٍ وغيره،"وكان كثيرًا ما يخطو في الهواء في مجلسه على رؤوس الناس خطوات ثم يرجع إلى الكرسي" [3] . وكان للشيخ نقباء يجلسون على الكرسي، على كل مرقاة منهم اثنان، وكان لايجلس كذلك إلا ولي أو صاحب حال، وكان يجلس تحت الكرسي رجال آخرون [4] .

وكان الجيلي يتكلم في الأسبوع ثلاث مرات: مرتان بالمدرسة بكرة الجمعة و عشية الثلاثاء، ومرة بالرباط بكرة الأحد، وقد تكلم على الناس مدة أربعين سنة من سنة 521 هـ ولغاية سنة 561 هـ، أما مدة تصدره للتدريس والفتوى فامتدت ثلاثًا وثلاثين سنة من سنة 528 هـ ولغاية سنة 561 هـ [5] .

وكان الجيلي يقبل النذر ويأكل منه، ويأمر كل ليلة بمد السّماط و يأكل مع الأضياف، وكان له حنطة يزرعها له بعض اصحابه كل سنة توخيًا للمأكل الحلال، وكان له غلام يقف على باب داره وبيده الخبز وينادي على العشاء

(1) المصدر نفسه، ص 199.

(2) المصدر نفسه، ص 198 - 199.

(3) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 202.

(4) المصدر نفسه، ص 204.

(5) المصدر نفسه، ص 202. التادفي، قلائد الجواهر، ص 37 - 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت