فهرس الكتاب
فملكوا مصر، وأكرموا ابن نجية بالكلام الذي قاله لهم بدمشق [1] .
إن محور هذا الخبر هو أحدى كرامات الشيخ عبد القادر، وكيف كانت سببًا لبداية اتصال احد تلاميذه بأرباب السلطة، وليست الكرامات بحدّ ذاتها محور الاهتمام هنا، فهذا مما لا يتسع البحث له، وإنما ما يهم البحث هو مدى تأثر أهل ذلك العصر بالكرامات وموقفهم منها وإيمانهم بها على نحو أملى عليهم في بعض الأحيان مواقفهم في الأحداث التاريخية. وكما أنه يصعب تصور التصوف بدون كرامات في القرن السادس الهجري، كذلك فإن تصور مجتمع تلك الفترة يبقي تصورًا قاصرًا إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار دور الكرامات فيه وأثرها في الفعل التاريخي، وذلك بصرف النظر عن موقف المؤرخ تجاه الكرامات الصوفية، سلبيًا كان أم إيجابيًا، ويؤكد هذا القول حقيقةُ مفادها أنه لا يكاد مصدر من المصادر التاريخية يخلو من ذكر أصحاب الكرامات، الأمر الذي يدل على أن الكرامات كانت عنصرًا ثابتًا من العناصر النفسية و الفكرية لأهل تلك الفترة، وبالتالي فإنها تدخل في الفعل التاريخي لهم.
ومن مشاهير تلاميذ الشيخ عبد القادر، الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي [2] (ت 600 هـ) قدم بغداد هو والموفق بن قدامة المقدسي فنزلا في مدرسة الشيخ عبد القادر لما تفرس فيهما الخير والصلاح فأكرمهما وسمعا عليه، ثم توفي الشيخ عبد القادر بعد قدومهما بخمسين ليلة، وكان ميل عبد الغني إلى الحديث و الموفق إلى الفقه [3] ، قال موفق الدين بن قدامة المقدسي:"لبست انا والحافظ عبد الغني الخرقة من يد شيخ الاسلام محي الدين عبد القادر في وقت واحد، واشتغلنا عليه بالفقه وسمعنا منه وانتفعنا بصحبته ولم ندرك من حياته سوى خمسين ليلة" [4] ، وقد اشتهر عبد الغني بالرحلة في طلب الحديث، ومن مصنفاته كتاب الكمال في اسماء الرجال، وغيره، وكان زاهدًا عابدًا أمّارًا بالمعروف نهاءً عن
(1) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 155 - 156، 230. التادفي، قلائد الجواهر، ص 71 - 72.
(2) انظر ترجمته في: أبو الشامة، الذيل على الروضتين، ص 46 - 47. ابن الساعي، الجامع المختصر، ص 140. الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 230، 231، وغيرها. الذهبي، المختصر المحتاج إليه،
ص 273 (الرقم 1008) . ابن كثير، البداية و النهاية، ج 13، ص 46 - 48. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 2، ص 5 - 32 (الرقم 214) .
(3) الذيل على الروضتين، ص 46.
(4) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 231.