إن ترجمة ابن الهيتي وتلاميذه تشير إلى مدى انتشار التصوف و الربط الصوفية في القرن السادس الهجري، فكل رجل منهم كان له رباط واتباع وحرمة وافرة لدى الناس، وكان التلاميذ بعد وفاة شيخهم ينتشرون في البلاد أو يرجعون إلى بلادهم فيبنون فيها ربطًا يستقرون فيها مع أتباع لهم، وهناك يقصدهم الناس ليستمعوا إلى مواعظهم و يتبركوا بدعائهم، ويتوبوا على أيديهم، فكانوا بذلك مظهرًا يوميًا ثابتًا من مظاهر الحياة الاجتماعية في بغداد وغيرها آنذاك.
ومن كبار حفاظ زمانهم الذين عرف عنهم التصوف، الحافظ السّلفي أحمد بن محمد بن احمد ابن ابراهيم بن سلفة [1] (ت576 هـ) ، وسلفة لقب جده احمد، ولد سنة 470 هـ، وقدم بغداد في سنة 500 هـ، وكان يمشي حافيًا في طلب الحديث [2] ، أخذ ببغداد عن الكيا الهراسي وابي بكر الشاشي وغيرهما [3] ، قال السبكي:"كان حافظًا جليلًا و إمامًا كبيرًا، واسع الرحلة، دينًا ورعًا حجة ثبتًا فقيهًا لغويًا انتهى إليه علو الإسناد مع الحفظ والاتقان" [4] ، وقال عنه الذهبي: لا أعلم أحدًا في الدنيا حدّث نيفًا و ثمانين سنة سوى السلفي [5] ، وقد استوطن الاسكندرية وتزوج بها امرأة ذات يسار"وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف وصارت له بالاسكندرية وجاهة، وبنى له العادل علي بن اسحاق بن السلار أمير مصر مدرسة بالاسكندرية ... وكان له عند ملوك مصر الجاه و الكلمة النافذة مع مخالفته لهم في المذهب" [6] .
وذكر ابن الصابوني ان والده"رحل إلى الاسكندرية فسمع بها من الحافظ ابي طاهر السلفي، ولبس منه خرقة التصوف ثم عاد إلى مصر" [7] ، وفي هذا دلالة واضحة على تصوف السلفي بل وعلى رتبته في المشيخة الصوفية. لقد كان لتصوف كبار الحفاظ كالسلفي أثر في نشر التصوف بين صفوف تلاميذهم الذين أخذوا عنهم الحديث لاسيما وأن السلفي قد مكث أكثر من ثمانين سنة وهو
(1) انظر ترجمته في: سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8،ق 1، ص 361. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 32. ابن قاضي شبهة، طبقات الشافعية، ج 2، ص 3 (الرقم 304) .
(2) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8،ق 1، ص 361 - 362.
(3) ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج 2، ص 4.
(4) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 33.
(5) المصدر نفسه، ج 6، ص 36.
(6) المصدر نفسه، ج 6، ص 37، نقلًا عن ابن عساكر و الرهاوي.
(7) ابن الصابوني، جمال الدين أبو حامد محمد بن علي بن محمود المحمودي، (ت 680 هـ) . تكملة إكمال الإكمال، ط (بدون) ، 1 ج، (حققه وعلق عليه الدكتور مصطفى جواد) ، المجمع العلمي العراقي، بغداد (د. ت.) . ص 97 - 98.