الشيطانية. وبالرغم من أن البحث غير معنيّ بالإجابة على هذا التساؤل، إلا ان ما يهم البحث هو إبراز مدى تقبل فئة من الفقهاء لموضوع الكرامات والتي تكاد تشغل حيزًا غير قليل من ادبيات التصوف عامة. وربما كان سبب هذا الاعتراض ان تلك الاحوال كانت تجري علنًا على يد الاتباع وربما دون ضرورة مفهومة، بينما كان المعروف فيما مضى ان الكرامات من اختصاص المشايخ الكبار وليس الاتباع. إن حدوث هذه الاحوال علنًا على ايدي الاتباع هو من سماتّ التصوف في فترة ما بعد القرن السادس الهجري، وهي فترة انتشر فيها شكل من التصوف عرف لاحقًا باسم الطرق الصوفية.
ويذكر ابن الساعي مايفيد بأن المشيخة الرفيعية (الرفاعية) انتقلت بعد وفاة الشيخ احمد الرفاعي إلى سبطه (ابن بنته) [1] ، بينما ذكرت بعض المصادر اللاحقة ان الرفاعي لم يعقب وإنما العقب لأخيه وأولاده يتوارثون المشيخة [2] ، وانفرد المناوي بالقول بأن المشيخة انتقلت بعده (اي احمد الرفاعي) إلى ابن اخته [3] .
استجد لآل الرفاعي بعد وفاة الشيخ احمد الرفاعي علاقة مع الخلافة العباسية لم تكن موجودة في زمن الشيخ، يقول ابن الساعي:"قد أجمع رأي الخلفاء من بني العباس على تفويض ولاية واسط لآل الرفاعي، فكانوا يتوارثون الولاية عليها، ويرسل الوالي إذ ذاك من قبل الخليفة بشرط كونه تحت نظر شيخ رواق ام عبيدة، وقد لقب الناصر [لدين الله احمد] السيد علي بن عثمان مهذب الدولة، ثم بعد وفاته لقب أخاه السيد عبد الرحيم (ت 604 هـ) ممهد الدولة ..." [4] ، وفي هذا دلالة على أن الخليفة الناصر كان مهتمًا باستقطاب شيوخ التصوف واحتوائهم نظرًا لما كانوا يتمتعون به من كثرة اتباع واصحاب في المجتمع، فكان تفويض واسط لهم بمثابة سياسة كان القصد منها ترسيم حركة شعبية اجتماعية لربطها بالخليفة وسلطته كي يعزز دوره كخليفة وكي لا تستقل زعامة الرفاعيين الروحية في حيزها الشعبي.
وقد زار ابن الساعي (ت 674 هـ) في سنة 640 هـ"الرواق الأحمدي"في أم عبيدة وكان شيخ الرواق حينها السيد نجم الدين احمد بن علي الرفاعي"سبط السيد احمد الكبير الرفاعي"، ووصف الرواق فذكر ان فيه الآلوف من الفقراء الذين وفدوا على الرفاعية من أقطار الدنيا"هذا هائم و هذا ساكت، وهذا موله، وهذا عاشق، وهذا غائب، وهذا مطرق، وهذا يقرأ القرأن، وهذا يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يذكر الله تعالى، وهذا في خلوته بعبادة ربه، وهذا مشتغل بخدمة الواردين ... ... ويقوم شيخ الرواق بكفاية الجميع من طعام وشراب وكسوة وغير ذلك ... ... و يجلس [شيخ الرواق] كل يوم بعد العصر مجلسًا خاصًا يقرأ دروس الفقه للفقراء، وفي الصباح يقرأ لهم درس الأدب وتهذيب الأخلاق ..." [5] .
يبدو أن الرواق الرفاعي كان حالة متطورة عن الرباط الصوفي، فكثرة الواردين وسعة الرواق و توارث المشيخة فيه وتسمية"الطائفة"ورعاية الدولة، كل ذلك يدل على بدايات دخول التصوف مرحلة الطرق الصوفية في تلك الفترة.
ومن أشهر تلاميذ الشيخ احمد الرفاعي، ابو الفتح الواسطي احمد بن ابي الغنائم بن صدقة [6] (ت 580 هـ) ، الذي أشار عليه الشيخ احمد الرفاعي بالسفر إلى ثغر الاسكندرية فسافر إليها"فظهر حاله وكثرت أولياؤه" [7] ، فكان بمثابة الداعي إلى الطريقة الرفاعية هناك.
ومن شيوخ التصوف في بغداد الذين جمعوا بين التصوف و علوم الشريعة عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع المعروف بابن نقطة [8] (ت 583 هـ) ، بشر به الشيخ عبد القادر الجيلي قبل زمن، ولبس الخرقة من تلميذ الشيخ الجيلي، أبي عمر عثمان الصريفيني [9] . وصفه الدبيثي بالفقه وقال:"كان منقطعًا في مسجده وعنده جماعة من الفقراء يخدمهم بما يفتح عليه، ويدان لهم،"
(1) ابن الساعي، الجامع المختصر، ص 253.
(2) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 1، ص 172. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 40، ص 255. ... الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 7، ص 144.
(3) المناوي، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 659.
(4) ابن الساعي، مختصر أخبار الخلفاء، ص 119.
(5) ابن الساعي، الجامع المختصر، ص (ل - م) مقدمة المحقق.
(6) انظر ترجمته في: الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 46، ص 180. ابن الملقن، طبقات الأولياء، ص 489. الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 280.
(7) ابن الملقن، طبقات الاولياء، ص 489.
(8) انظر ترجمته في: ابو شامة، الذيل على الروضتين، ص 28. ابن الساعي، الجامع المختصر، ص 68. الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 91 - 92. الذهبي، المختصر المحتاج إليه، ص 273
(الرقم1010) . تاريخ الاسلام، ج 41، ص 155. الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 19، ص 23 (الرقم 7149) . ابن كثير، البداية والنهاية، ج 13، ص 38.
(9) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 91 - 92.