الصفحة 191 من 287

أنه لم يدخر لنفسه شيئًا [1] .

ومن الصوفية الذين اشتهروا بالحفظ وإسناد الحديث في زمانهم ببغداد ابن سُكينة ضياء الدين عبد الوهاب بن علي بن علي بن عبيد الله [2] (ت607هـ) ، الإمام المحدث العالم، مسند العراق وشيخها، الصوفي، الشافعي، الأمين [3] ، الفقيه [4] ، وكان يُعدّ من الأبدال [5] .

صحب جده لأمه ابا البركات اسماعيل بن احمد النيسابوري (ت 541هـ) شيخ الشيوخ، فانتفع بصحبته، ولبس منه خرقة التصوف و تخلق بأخلاقه و تأدب بآدابه، ونظرًا لطول عمره وعلوّ إسناده فقد قصده طلاب العلم من سائر الأقطار، وكان لا يخرج من منزله إلا لحضور صلاة الجمعة أو العيد أو الجنازة أو لزيارة صالح حي أو ميت أو لحضور مجلس ذكر، ولم يكن يحضر دور أبناء الدنيا ولا أرباب المناصب في هناء ولا عزاء، وكانت له في القلوب منزلة عظيمة، وقد صحبه ابن النجار قريبًا من عشرين سنة ليلًا ونهارًا، وتأدب به وخدمه و قرأ عليه القرأن، ووصفه بأنه كان علمًا من أعلام المسلمين [6] .

وكان ابن سكينة صديقًا لأبي الفرج بن الجوزي ملازمًا لمجالسته ويزوره، وقد سأله ابو الفرج لما عاد من واسط أن يلبس ابنه يوسف (ت 656هـ) خرقة التصوف فألبسه إياها [7] ، وقد يدل هذا على ان أبا الفرج بن الجوزي قد غيرّ موقفه تجاه الصوفية في آخر حياته بالرغم مما عرف عنه من نقد لهم وبالرغم من الاختلاف المذهبي بين ابن الجوزي الحنبلي وابن سكينة الشافعي، اللهم إلا إذا كان الجامع بينهما في الصداقة مقتضيات سياسة الخليفة الناصر.

ويذكر ان سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) لبس هو أيضًا خرقة التصوف من ابن سكينة [8] وقد يكون ذلك أيضًا بتأثير من جده أبي الفرج بن الجوزي.

وبالرغم مما ذكره ابن النجار عن مجانبة ابن سكينة لأرباب المناصب، يذكر الذهبي ان ابن سكينة ورد دمشق رسولًا في سنة 585هـ [9] ، ويستنتج من ذلك ان ابن سكينة لم يكن ينظر إلى الخليفة العباسي على انه من أبناء الدنيا أو ارباب المناصب، خاصة وأن جده ابا البركات اسماعيل وخاله عبد الرحيم كهذه تسنما منصب شيخ الشيوخ واستعملهما الخليفة سفراء له، فيتوقع أن يتأثر ابن سكينة ببيئة كهذه، وليس هذا مما يحط من قدر الرجل، وإنما يبين طبيعة النظرة آنذاك تجاه مؤسسة الخلافة.

ويذكر ان اثنين من أبناء عبد الوهاب بن سكينة تسنما منصب شيخ الشيوخ وهما عبد الواحد [10] (ت 608هـ) ، وعبد الرزاق [11] (ت 635هـ) ، وقد انفرد ابن الفوطي بإشارة تفيد بأن عبد الوهاب بين سكينة نفسه كان شيخ الشيوخ في وقته [12] .

يبدو أن الصفة الرسمية لشيخ الشيوخ في بغداد آنذاك كادت أن تكون محصورة في جماعة من الأقرباء، وفي هذا دلالة على مكانتهم عند الخليفة، بل وعلى مكانة التصوف في المجتمع البغدادي في تلك الفترة.

ومن أشهر مشايخ التصوف الذين كان لهم أثر في حركة التصوف في بغداد، الشيخ شهاب الدين السهروردي عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمويه، أبو حفص و ابو عبد الله [13] (539 هـ - 632 هـ) ، ويرجع نسبه

(1) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 2، ص 143 - 144.

(2) انظر ترجمته في: ابن نقطة، كتاب التقييد، ج 2، ص 143 (الرقم 477) . ابن الاثير، الكامل، ج 10، ص 355. ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ص 212 - 218 (الرقم 222) . أبو شامة، الذيل على الروضتين، ص 70. الذهبي، المختصر المحتاج إليه، ص 259 (الرقم 950) . تاريخ الاسلام، ج 43، ص 252. الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 19، ص 206 (الرقم 7417) . السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 8، ص 324. الاسنوي، طبقات الشافعية، ج 1، ص 340 (الرقم 647) . ابن كثير، البداية والنهاية، ج 13، ص 73. ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج 2،

ص 73 (الرقم 359) . ابن العماد، شذرات الذهب، ج 7، ص 48.

(3) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 43، ص 252.

(4) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ص 212 - 218.

(5) ابو شامة، الذيل على الروضتين، ص 70، نقلًا عن ابن الدبيثي. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 43، ص 256. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 8، ص 325. ابن كثير، البداية و النهاية،

ج 13، ص 73.

(6) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ص 212 - 218.

(7) ابو شامة، الذيل على الروضتين، ص 70. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، 2،258. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 7، ص 494.

(8) الكتبي، محمد بن شاكر، (ت 764 هـ) ، فوات الوفيات و الذيل عليها، (تحقيق الدكتور احسان عباس) ، دار صادر، بيروت، ج 4، ص 356.

(9) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 43، ص 255.

(10) ابن الاثير، الكامل، ج 10، ص 357. ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ص 152 - 153. ابو شامة، الذيل على الروضتين، ص 79.

(11) ابن الاثير، الكامل، ج 10، ص 357. الذهبي، المختصر المحتاج إليه، ص 261. الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 18، ص 248.

(12) ابن الفوطي، تلخيص مجمع الآداب، ج 4، القسم الثاني، 980 - 981.

(13) أنظر ترجمته في: ابن نقطة، كتاب التقييد، 2،182 (الرقم 524) . ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 5، ص 111 (الرقم 1260) . أبو شامة، الذيل على الروضتين، ص 163. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 3، ص 446 (الرقم 496) . مجهول، الحوادث، ص 102. الذهبي، المختصر المحتاج إليه، ص 287 (الرقم 1062) . تاريخ الاسلام، ج46، ص 112. العبر، ج 3، ص 213. ابن الدمياطي، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، ص 156 (الرقم 161) . العمري، مسالك الابصار،

ج 8، ص 224 (الرقم 58) . اليافعي، مرآة الجنان، ج 4، ص 63. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 8، ص 338. الاسنوي، طبقات الشافعية، ج 1، ص 342 (الرقم 651) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 13، ص 162. ابن الملقن، طبقات الأولياء، ص 262. ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج 2، ص 102 (الرقم 381) . الجامي، نفحات الأنس، ج 2، ص 639 (الرقم 500) المناوي، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 144 (الرقم 574) . ابن العماد، شذرات الذهب، ج 7، ص 268. وتجدر الإشارة إلى ان السهروردي هذا هو غير السهروردي المقتول شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك (ت 586 هـ) الذي قتل في حلب بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي، ويمكن الرجوع إلى ترجمته في وفيات الأعيان، ج 6، ص 268 (الرقم 813) ، وشذرات الذهب، ج 6، ص 476.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت