قال: فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة وتاب جمع كبير [1] .
وقد كان هذا أمرًا معتادا ًفي مجلس وعظ الصوفية الكبار، فهو في شعره يتوجه إلى الله تعالي كي يذيق الحاضرين في المجلس من حال الوجد الذي هو فيه، فلما ذاقوا تواجدوا نشوة، وقام جماعة منهم يقطعون شعورهم كناية عن التوبة إلى الله.
ومن رقيق شعره الذي يعبر عن مواجيده حيث يصف نفسه بوصف النبي يعقوب المحب ومحبوبه بوصف النبي يوسف عليهما السلام وهي علاقة طالما تمثلها الصوفية في اقوالهم واشعارهم ليعبروا بها عن احوال المحبة التي تنزل بهم، يقول السهروردي في احد مجالسه:
مافي الصحاب أخو وجدٍ تطارحه ... إلاّ محب له في الركب محبوب
فقام له شاب وكان في المجلس فأنشده:
كأنما يوسف في كل راحلةٍ ... وله في كل بيت منه يعقوب
فصاح الشيخ السهروردي ونزل عن المنبر وقصد الشاب ليعتذر إليه، فلم يجده، ووجد مكانه حفرة فيها دم كثير من كثرة ما كان يفحص برجليه عند إنشاد الشيخ البيت [2] .
وكان الشهاب كثير الحج، وربما جاور في بعض حججه [3] ، وذلك على عادة كثير من الصوفية.
وكان ذا مروءة و إغاثة للملهوفين وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر [4] ، وكان هذا بعضًا من إسهامات الصوفية في الحياة الاجتماعية ببغداد.
ومن أبرز إسهاماتهم الأخرى توبة العصاة على أيديهم، يقول ابن النجار:"وظهرت بركة انفاسه على خلق كثير من العصاة فتابوا وانابوا إلى الله عز وجل وحسنت طرائقهم، وصار له أصحاب وأتباع كالنجوم يُعرفون أينما كانوا" [5] .
ويذكر ابن نقطة الذي عاصر شهاب الدين السهروردي ومات قبله سنة 629 هـ،"وكان [اي شهاب الدين] شيخ العراق في وقته" [6] ، وذكر ابن النجار انه"كان شيخ وقته في علم الحقيقة وطريق التصوف، وإليه انتهت الرئاسة في تربية المريدين ودعاء الخلق إلى الله عز وجل، وسلوك طريق العبادة و الزهد في الدنيا" [7] .
إن رجلًا هذا مقامه ومكانته عند أهل زمانه حريّ بالخليفة الناصر لدين الله ان ينظر إليه باهتمام ليستفيد من شهرته وكثرة اتباعه وطاعة الناس له، في ترتيب أمور الصوفية و تنظيمهم في رباطاتهم، خاصة وأنهم قد اصبحوا تيارًا اجتماعيًا واضحًا لهم تأثيرهم الكبير في المجتمع البغدادي خاصة، والاسلامي عامة، لاسيما وأن حركة التصوف في القرن السادس الهجري قد أخذت دفعة قوية من رجال الفقة والعلوم الشرعية عامة جعلت من تأثير التصوف في الحياة الاجتماعية تأثيرًا مضاعفًا.
وهكذا، صار السهروردي شيخ الشيوخ ببغداد [8] ، وقد وصف الباحث عبد المنعم رشاد محمد الموقع الذي بلغه السهروردي عند الناصر لدين الله بانه كان"شبيهًا بمستشار روحي للخليفة [9] "، وولاه الخليفة عددًا من الربط الصوفية ببغداد و أرسله في عدد من السفارات وأجلس للوعظ، ففي سنة 579 هـ افتتح رباط المأمونية ورتب السهروردي شيخًا به ووقفت عليه الوقوف النفيسة [10] ، وفي سنة 588هـ ارسله الخليفة إلى زعيم أخلاط بكتمر [11] ، وفي سنة 599 هـ تكامل بناء الرباط المستجد بالمرزبانية على شاطئ نهر عيسى، وسُلم إلى الشيخ شهاب الدين السهروردي فسكنه مع جماعة من الصوفية، وأجرى لهم جميع ما يحتاجون إليه [12] ، وفي سنة601هـ أجلس السهروردي
(1) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 3، ص 446.
(2) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 13، ص 162.
(3) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 3، ص 447.
(4) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 13، ص 162.
(5) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، 111 - 112.
(6) ابن نقطة، كتاب التقييد، ج 2، ص 183.
(7) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، 111.
(8) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 3، ص 446. ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج 2،
ص 103.
(10) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 40، ص 50.
(11) المصدر نفسه، ج 41، ص 77.
(12) ابو شامة، الذيل على الروضتين، ص 32 - 33. ابن الساعي، الجامع المختصر، ص 99.