مسجد [1] . أما الهجرة فلفظة تستخدم في اليمن وهي كالخانقاه يسكنه العُباد و أهل العلم [2] . اما التكية فقد استجدت في العهد العثماني [3] .
وعند الصوفية فإن الرباط الصوفي أفضل من الرباط العسكري، قال الشبلي:"مجاهدة النفس بالنفس أفضل من مجاهدة الغير بالنفس" [4] .
وفيما يتعلق بالناحية المعمارية للرباط الصوفي في بغداد في العصور العباسية المتأخرة فإنه"لم يبق منها [اي الربط] ما يشير إلى نظام تخطيطها وتكوينها"
المعماري" [5] . اما الناحية المعمارية للخانقاه والتكية فليس مكانها هنا وإن كانت متوفرة في بعض المراجع [6] ."
وفيما يتصل بالضوابط الخلقية و الشرعية التي تحكم حياة الجماعة الصوفية في الربط، فيبدو ان الشهاب السهروردي (ت 632) كان أول من سعى إلى وضع ضوابط بهذا القصد وضمنها كتابه الواسع الانتشار المسمى"عوارف المعارف". إن تصنيف هذا الكتاب من قبل متصوف معاصر للفترة محل البحث ليؤكد سعة انتشار الربط الصوفية آنذاك في بغداد، وغيرها، الأمر الذي دفعه إلى تأليف الكتاب. ويشترط السهروردي في ساكن الرباط أمورًا منها:"قطع المعاملة مع الخلق وفتح باب المعاملة مع الحق، وترك الاكتساب اكتفاءً بكفالة مسبب الاسباب، وحبس النفس عن المخالطات، واجتناب التبعات، وعانق ليله ونهاره العبادة متعوضًا بها عن كل عادة، شغله حفظ الأوقات وملازمة الأوراد وانتظار الصلوات واجتناب الغفلات ليكون بذلك مرابطًا مجاهدًا" [7] ، وقال:"شرط الفقير الصادق إذا سكن الرباط وأراد أن يأكل من وقفه أو مما يطلب لسكانه بالدروزة (التسول) : أن يكون عنده من الشغل بالله مالا يسعه الكسب، وإلا ... يكتسب و يأكل من كسبه، لأن طعام الرباط لأقوام كمل شغلهم بالله" [8] . ويضع تقسيمًا للعمل داخل الربط بين نزلائه، قال:"الرباط يحتوي على شبان وشيوخ وأصحاب خدمة وأرباب خلوة ... و المشايخ بالزوايا أليق، ... والخدمة شأن من دخل الرباط مبتدئًا ... ولا يرون استخدام من ليس من جنسهم" [9] .
وبمقارنة أوضاع صوفية الربط في القرن السادس الهجري مع وصايا قدماء الصوفية في بغداد يظهر مدى الاتصال أو الانقطاع في حركة التصوف، قال أبو تراب النخشبي (ت 245 هـ) لأصحابه:"من لبس منكم مرقعة فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل، ومن قرأ القرآن من مصحف أو كيما يسمع الناس فقد سأل" [10] .
وقد وجد في بغداد في القرن السادس الهجري متصوفون رفضوا الانخراط في حياة الربط وآثروا اعتزال الناس وسكنوا الخراب حتى كان بعضهم لا يُعلم قوته من اين، منهم: محمد البلخي (ت 589هـ) الذي كان الخليفة الناصر يتردد إلى زيارته، وبنى له رباطًا وسأله أن يدخله فأبى [11] ، ومنهم ايضًا الفقيه الزاهد عبد الملك بن ابي نصر بن عمر (ت 545هـ) ، لم يكن له مأوى يسكنه ويبيت اي موضع اتفق [12] .
ولاحقًا أكد السبكي هذا المنحى في التصوف غير الرسمي فقال:"واعلم ان الصوفية اكثرهم لايرضى بدخول الخوانق، ولا التعلّق بشيء من أسباب الدنيا، ونحن نتذكر بهم ولا نذكرهم. ولكننا نتكلم عن ذوي الأسباب منهم، لأنهم لما خالطوا أهل الدنيا تطرق إليهم البحث على قدر مخالطتهم:"
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها ... و إن تجتذبها نازعتك كلابها [13]
(2) الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 302.
(3) الحسين، الدكتور قصي، (1993) . من معالم الحضارة العربية الاسلامية. ط1، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات، ص 33.
(4) ابن الجوزي، ابو الفرج عبد الرحمن بن علي، (ت 597 هـ) . صفة الصفوة، ط2، 4ج، (تحقيق محمود فاخوري ومحمد رواس قلعه جي) ، دار المعرفة، بيروت، 1979. ج 2، ص 457.
(5) يوسف، شريف، (1975) . تاريخ فن العمارة العربية الاسلامية. المورد، السنة الثانية (2) ، 23 - 32. ص 32.
(6) انظر مثلًا: الحسين، من معالم الحضارة العربية الاسلامية، ص 29 وما بعدها.
(7) السهروردي، عوارف المعارف، ص 67.
(8) السهروردي، عوارف المعارف، ص 72.
(9) المصدر نفسه، ص 68 - 69.
(10) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 29.
(11) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، 421 - 422. ابن الساعي، الجامع المختصر، ص 54 - 55. الذهبي، المختصر المحتاج إليه، ص 96 - 97.
(12) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 1، ص 80 - 81.
(13) السبكي، تاج الدين عبد الوهاب، (ت 771هـ) . معيد النعم ومبيد النقم، ط 2، (تحقيق محمد علي النجار، وابو زيد شلبي، ومحمد بو العيون) ، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1993. ص 123