الصفحة 211 من 287

ومما يدل على مدى الدعم الذي كان شيوخ الربط يلقونه من الخلفاء العباسيين ان أسماء كثير من الربط البغدادية تشير إلى اسماء خلفاء أوأحد اقربائهم أو وزرائهم أو خدمهم أو خدم السلاطين السلاجقة، كما كانت تشير أيضًا إلى اسماء شيوخ الصوفية، أو إلى اسم محلة من محلات بغداد. ولكن هذا لا ينطبق على كل الربط آنذاك، فقد وجدت ربط دون اسم شهرة معروف انشأها رجال افراد بمبادرات فردية استقلوا فيها بالمشيخة والاتباع ووقف عليها من أموالهم الخاصة أودعمها اتباعهم دون دعم معروف من الخلافة، وهذا ما دفع الباحث إلى التمييز بينها وبين الربط التي بنيت بأمر الخليفة أو السلطان آنذاك.

وتاليًا ذكر لأشهر الربط البغدادية في الفترة محل البحث، مرتبة حسب تاريخ بنائها، مع إشارة إلى باني الرباط وشيوخ الرباط عسى أن يوفر ذلك تصورًا للدور الذي قامت به الربط في الحياة الاجتماعية و العلمية و غيرها من مناحي الحياة العامة آنذاك [1] . ويجدر التذكير بأن شيوخ الربط هم من شيوخ التصوف البغدادي [2] . وقد ميز الباحث بين صنفين من الربط و الزوايا، ورتّب كل صنف ترتيبًا تاريخيًا، الصنف الأول الربط والزوايا التي انشئت بمبادرات فردية من قبل الصوفية، والصنف الثاني الربط التي انشأها الخلفاء وسلاطين السلاجقة وخدمهم وأرباب الدولة و أهلوهم. أما الصنف الأول من الربط فأولها:

رباط الزوزني:

هو أقدم الربط الصوفية التي أنشئت في بغداد [3] ، وأقدم إشارة صريحة توصل إليها الباحث إلى هذا الرباط، تفيد بأنه كان موجودًا قبل سنة 412 هـ حيث وصفه الخطيب البغدادي (ت 463هـ) دون ذكر اسم له فقال:"رباط الصوفية الذي عند جامع المنصور" [4] ، وقد ذكر ماسينيون ان الرباط تأسس سنة 360هـ، وأنه"أول رباط حقيقي للمتصوفة في بغداد" [5] . وهذا الرباط بني أصلًا للشيخ الصوفي أبي الحسن الحصري، علي بن ابراهيم [6] (ت 371هـ) حينما"كبر سنّه فصعب عليه المجيء إلى الجامع فبنى له الرباط المقابل لجامع المنصور، ثم عرف بصاحبه [اي صاحب الحصري] الزوزني" [7] . وبما أن الأرض التي بني عليها الرباط كانت في الأصل قطعة من أرض جامع المنصور تعرف بدار القطان [8] ، فيستنتج من ذلك أن الأرض أرض وقف.

وقد نشأت قرب الرباط مقبرة سميت مقبرة الصوفية [9] ، وذلك ملاحظ في ربط أخرى أيضًا. وبقي الرباط قائمًا إلى أن هدمه فيضان سنة 654 هـ فانقطعت أخباره [10] .

أما الزوزني الذي ينسب إليه الرباط فهو علي بن محمود بن إبراهيم بن ماخرة أبو الحسن الزوزني الصوفي [11] (366 - 451هـ) كان قد صحب ألف شيخ أحدهم الحصري [12] .

وبعد أبي الحسن الزوزني تعاقب على مشيخة الرباط عدد من شيوخ الصوفية منهم: احمد بن إبراهيم أبو الوفاء الشيرازي الفيروزابادي [13] (ت 528هـ) ولما توفي صلى عليه خلق منهم أرباب الدولة وقاضي القضاة ثم في ثالث يوم عمل له الخادم نظر دعوة عظيمة انفق فيها مالًا على عادة الصوفية إذا مات لهم أحد [14] .

ثم تولى مشيخة رباط الزوزني عدد من الشيوخ حمدت سيرة أكثرهم،

(1) للاطلاع على قائمة وافية بأسماء الربط والزوايا البغدادية التي كانت موجودة في بغداد في الفترة محل البحث ومابعدها، انظر: مصطفى جواد، دليل خارطة بغداد المفصل في خطط بغداد قديمًا وحديثًا، ص 250 - 253، حيث يورد أسماء (65) رباطًا وزاوية وهناك بحث للدكتور مصطفى جواد لم يتمكن الباحث من الاطلاع عليه نظرًا لعدم توفر المجلد المعني في المكتبات الأردنية المفهرسة، وهو من تأليف الدكتور مصطفى جواد، بعنوان"الربط البغدادية وأثرها في الثقافة الاسلامية"نشر في مجلة سومر، 10 (3) ، 1954.

(2) ارتؤي تأجيل ذكرهم من الفصل السابق إلى هذا الفصل تجنبًا للتكرار.

(3) الآلوسي، مدخل لدراسة الربط الاسلامية، ص 23.

(4) انظر، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 5، ص 135.

(5) ماسينيون، آلام الحلاج، ج 1، ص 113.

(6) انظر شيئًا من ترجمته في الفصل السابق.

(7) السمعاني، الانساب، ج 2، ص 226. ابن الجوزي، المنتظم، ج 7، ص 110 - 111.

(8) الفوطي، تلخيص مجمع الآداب، ج 4، ق 1، ص 55 (الهامش) .

(9) مجهول، الحوادث، ص 102 - 103 (الهامش) .

(10) المصدر نفسه، ص 102 - 103 (الهامش) .

(11) انظر ترجمته في: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 12، ص 114. السمعاني، الانساب، ج 3، ص 176. ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 214. ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 351. قال ياقوت:"زوزن ... كورة واسعة بين نيسابور و هراة ويحسبونها من اعمال نيسابور كانت تعرف بالبصرة الصغرى لكثرة من أخرجت من الفضلاء و الأدباء و أهل العلم".

(12) ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 214.

(13) انظر ترجمته في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 36. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 148. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 36، ص 161.

(14) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 37. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 36، ص 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت