وتميزت تلك الربط بالوقوف التي وقفت عليها، مقارنة بالربط والزوايا التي انشئت بمبادرات فردية والتي اعتمدت اكثرها ليس على الوقوف بل على الهبات والفتوح و النذور.
ويلاحظ ان كثيرًا من تلك الربط كان أصلها دورًا خاصة بناها خدم الخلافة أو السلطنة أو رجال الدولة لأنفسهم ثم وقفوها ربطًا للصوفية، وكان بعض رجال الدولة إذا عزلوا أو تركوا مناصبهم يبنون الربط ليختلوا فيها، مما أدى إلى تنوع خلفيات المنتظمين في سلك التصوف آنذاك. كما كان أصل بعض الربط دورًا لبعض مماليك الخليفة أو رجال الدولة الذين صادر الخليفة أملاكهم وجعلها ربطًا.
ويلاحظ في النصف الأول من القرن السادس الهجري وجود تنافس بين الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي في بناء الربط بحيث حسبت بعض الربط على الاعاجم والسلطان، وهذا يدل على امتداد العلاقة المتوترة بين مؤسستي الخلافة والسلطنة إلى الحركات الشعبية وبخاصة التصوف ممثلًا في الربط وشيوخها.
ولم تقتصر الربط على الرجال، بل بنيت ربط للنساء أيضًا. واحتوت بعض الربط خزائن كتب سيأتي ذكرها منفردة في هذا الفصل.
وكان الخلفاء يستقطبون شيوخ التصوف المشهورين الذين جاءوا من خارج بغداد وذلك عبر تسليمهم مشيخات بعض الربط، وفي ذلك استثمار لشهرة أولئك الشيوخ استفاد منه الخلفاء و السلاطين، خاصة وان الوعظ الذي كان يمارسه شيوخ الربط كان له أثر في الرأي العام في بغداد.
وقد ساهم بناة الربط تلك في ترسيخ نهج بناء الرباط إلى جانب المدرسة، وهو النهج الذي سنّه الشيخ عبد القادر الجيلي وابو النجيب السهروردي.
ويلاحظ أن الفترة التي شهدت اكبر نشاط في بناء الربط في بغداد في القرن السادس، كانت في عهد الخليفة الناصر لدين الله وذلك يعود لسببين على الأقل: طول فترة حكم الناصر، ومشاريعه السياسية الطموحة التي تجلى بعضها في إعادة تنظيم الفتوة وبناء جسور التواصل بين المؤسسة السياسية والحالة الشعبية والاجتماعية آنذاك. وقد توسع الناصر في استخدام شيوخ الربط في السفارات التي كان يرسلها إلى الملوك والأمراء على نحو سبق الخلفاء الذين قبله و الذين بعده، حتى كاد يكون ذلك نهجًا ثابتًا في سياسته. ويرجح ان يكون